ولكن ما ذا ؟ هل يترك عبد اللطيف الفلاح ؟ لا يمكن فقد سر في أذن السائق فأسرع ومعلومك ماركة الروز رويز فكانت تطوي الأرض طيا . . . وبأقل من لمح البصر وصلنا القسطل والفلاح يصيح بأعلى صوته ويقول يا زلمة القرية . . الكرية . .
الكرية . ول . . وتشيف بدي أرجع يا زلام ؟ وكان عبد اللطيف يشرب الكنياك من القنينة ثم يناولها إلى خليل وخليل يجيبها لي . . . وعبد اللطيف بيده اليمنى يضرب يده من فوق الطبزية على رأسه ويكيل له من الشتائم من الوزن الثقيل شيء من المخجل كتابته ، وترى الفلاح المسكين ينط وكأنه في سيرك ، ونحن مغمى علينا من الضحك . وما هي إلا مدة وجيزة دخلنا يافا والفلاح لا يعرف أين هو يستغيث ويقول ول . . وين الكرية . إلى أن أرجعه عبد اللطيف في الباص ودفع له عدا عن أجرة الباص ثلاثين قرشا عطلا وضررا .
إسماعيل بك وبئر معين وقرية صفا
عندما كنت موظفا في مكتب حاكم القدس العسكري السير رونالد ستورس أذكر أن العم إسماعيل بك حضر إلى دائرة الحاكم وطلب من الحاكم أن يسمح لي بمأذونية اثني عشر يوما ، وكان ذلك ، وهكذا أخذنا العود وبمعية العم أبي إبراهيم ذهبنا لقضاء بضعة أيام منها في ملكة القرية المعروفة ببئر معين .
قد ذكرت الكثير عن صلتي بإسماعيل بك منذ زمن المرحوم حسين سليم الحسيني ، وبعد وفاة الأخير لم ينقطع العم إسماعيل بك عن الاجتماع بي في كل المناسبات وقد زارنا في بير معين العم محمود الراغب الحسيني وكان بوظيفة مسجل أراضي القدس آنذاك ، وكانت معه سيدة روسية تعزف آلة القيثار ، فكانت ليلتين من العمر تجلى فيها الحظ والسرور وامتزج الفن والعزف الغربي والعربي معا .
ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فقد حضر زكي أفندي نسيبة وابنه الأول حسن ، وهكذا فارقنا العم محمود الراغب والسيدة الروسية وقيثارها راجعين القدس ، أما نحن فقد ذهبنا جميعا إلى قرية صفا من قضاء رام اللّه ، وكان حسن نسيبة يملك فيها الزيتون ، وكانت هذه الرحلة تجارية على ما أعلم ما بين إسماعيل بك وزكي أفندي .
كان الاستقبال لنا في هذه القرية ( صفا ) عظيما وأقمنا ضيوفا على أهل البلد لمدة ثلاثة أيام ، ولن أنسى لذة ما يسمونه بالمنسف الدسم في الصباح والمساء إلى أن اضطررنا بعدها على ترك القرية مرغمين ، نظرا لوقوع حوادث مزعجة ما بين أهالي قريتين مجاورتين لصفا - آنذاك - الأمر الذي جعلنا أن نعرج بوجه السرعة على قرية عين عريك ، وهناك ولأول مرة تعرفت على العم سليم سعد وزرناه في ملكه ذلك البيت الفخم . إني أذكر أنه كان يجلس بجوار طلمية الزيت من بئر خاص للزيت في هذا البيت ، وهناك بعدما تناولنا طعام الغذاء الشهي الذي كان على ما أذكر ورق عنب لذيذ ، رجعنا القدس منهوكي القوى ، فنمت في بيت العم إسماعيل بك المعروف . وكان العم سليم سعد هو عم زوجتي فيكتوريا سعد رحمه اللّه .
راغب النشاشيبي ، رئيس بلدية القدس من 1920 - 1934