تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩

أحمد شرف وحمادة العفيفي

كان أستاذي بالعود حمادة العفيفي مصيفا وعائلته في عين كارم ، فكان بعدما ينتهي عمله في بلدية القدس ينزل توا إلى عين كارم ، وقد التقى في ذات يوم مع صديقه أحمد شرف قومسيير البوليس المعروف بالقدس ، وكان هذا - أي أحمد شرف - مصيفا مع عائلته أيضا . التقى حمادة وأحمد في مقهى العرب ، واتفقا بأن يلعبا معا الكنكان . . . فجلسا عند العصيرة ، وباشرا باللعب المتواصل ، وإذ بالمؤذن يؤذن الفجر الباكر ، وهناك وقفا مذعورين ومندهشين وبدآ يشتمان بعضهما البعض ، وكان المرحوم أحمد شريف من الظرفاء ، فقال " اللّه يقطعك يا حمادة . . ولك إحنا جايين نلعب الكنكان هنا ونقضي الليل في كامله ، وعيالنا ما ذا يقولون علينا ، فهم في انتظارنا ، وكانت العائلات في بيوتهم تنتظر بالفعل حمادة وأحمد شرف كل في مصيفه في عين كارم ! فتصور كيف كان البشر في تلك الأيام ، وكيف كانوا يعيشون مع الزمن براحة وهداة بال لا طمع ولا شغل شاق حتى نسيا الاثنان معا عائلاتهما اللذين نزلا ليكونا معهما على الأقل أثناء الليل ! وأصبح هذا الحادث الطريف على ألسنة الأصدقاء الذين كانوا يصطافون في عين كارم ، ويواظبون في حضورهم إلى مقهى العرب مجمع الخلان .

يحلا العتاب والملام بالليل ما بين الأحبة

قبل زواج الأخ خليل سكن في عين كارم سنة كاملة ، وقد استأجر بيتا قديما متواضعا من العم موسى جعنيني وكان وعائلته من أوفى أصدقائي . كان موقع هذا البيت في الزقاق لبيت وطاحونة جعنيني ويشرف على الوادي الفاصل بينه وبين جبل المسكوبية ، وكان بالطبع مقهى العرب في الطرف السفلي من المسكوبية ، فإذا ما جلست على شرفة هذا البيت ، ترى منظرا خلابا يعجز القلم عن وصفه ، وكانت تفصل هذا البيت ، وبخاصة المقهى ، الجناين للقرية ؛ تلك الجناين التي تسيل في أطرافها مياه العين وتسقي خضار القرية وفاكهتها . وقد قضينا الجزء الأكبر من صيف تلك السنة في هذا البيت ، كنت وأخي خليل عندما ننتهي من عمل الوظيفة بالقدس نذهب توا في السيارة إلى عين كارم ، ونقضي هناك بعد الظهر والليل ، ونرجع في السيارة في صباح ثاني يوم الباكر ، وهكذا وكان معنا كثير من موظفي الحكومة تسير على هذه الخطة . ذكرت في الصفحة الأخيرة لهذا الموضوع أن أبو عيد العرب صاحب مقهى العرب كان مغرما في اقتناء أحدث أسطوانات الفونو غراف يذيعها ليلا ونهارا في المقهى ليكتسب الزبائن . وقد صادف أنني بعدما تناولنا العشاء ذهبت إلى فراشي مبكرا ونمت والعائلة مدة ليست أكثر من نصف ساعة ، ثم أفقت على صوت المطرب محمد عبد الوهاب لأول مرة سمعته يغني " يحلا العتاب والملام بالليل ما بين الأحبة " من مقام الصبا ؛ ذلك المقام المحبب لنفسي ، سمعته وكدت أطير جنونا من الفرح ، لأن هذا الصوت الرخيم كان ينطلق من مقهى العرب المقابل لبيتنا ، ولكن لم أستطع أن أوصف شدة تأثري وشعوري في ذلك السكون من الليل ، ولحسن الحظ قد أعاد العرب هذه الشطرة ذاتها مثنى وثلاث ورباع ، أعتقد حسب طلب الزبائن وحبه هو للغناء ، وهكذا زاد طربي وتشوقي وحبي إلى هذه المقطوعة ، وكدت أرقص طربا ، وكانت زوجتي وأخي خليل