سببا أساسيا في زواج الأخ أبو موسى فقدمت له زوجته الحاضرة ، وكانت مثال الزوجات الصالحات وأنجبت منه أولادا صالحين .
كان العم أبو موسى يقف على كرسي في السهرات وينادي بأعلى صوته بكلمة " سلانس " ؛ أي سكوت باللغة الفرنسية ، ثم يبدأ بكلمة وجمل وأحاديث تاريخية فيقول " وكلم الرب موسى بلسان الحال قائلا كل واحد منكم عليه أن يذبح ثورا " .
فنقول له قال جاموز فيجيب لا قال ثور . . . ثم يصل كلمته بشعر قديم مقطع " إنما عليها من أبيها وأمها إذا كلماها بالكلام المعمع . "
ثم يتكلم الإنكليزية وهو بريء منها ، بل ينصح ويقول من أراد التكلم بالإنكليزية عليه أولا أن يربط لسانه مثل ربطة الكندرة أي عقدة ومشطة . . . هكذا ، ويبدأ يتكلم بكلمات إنكليزية مترابطة من اختراعاته بصورة مضحكة لا توصف . . .
وعلى ذكر التكلم بالإنكليزية له حادث طريف أدونه للقارئ الكريم :
قال أبو موسى كنت في عيد رمضان من السنة الماضية فقمت من نومي وكنت أعزب ولبست جميع ثيابي . . . ( ملاحظة :
جميع ثيابي في لغة العم أبو موسى أي ألبسة العيد الجديدة الحريرية ) .
وعزمت مع بعض أصدقاء على قضاء نهار العيد في قوميانية أبو البصل ، وكان ذلك ، فقضينا يوما جميلا ورجعنا من شارع يافا طبعا وعندما وصلنا الساحة المقابلة للوكاندة فاست الألماني المعروفة بالقدس ، التقينا ببعض السياح الإنكليز الذين كانوا يخرجون من باب فندق فاست . فجاءني صديق وهمس في أذني وقال لي لاعبهم يا أبا موسى بوكس . . . ولما كنت في منتهى السكر وعلى جانب عظيم من الحظ جئت لواحد من السياح وانتخبته منهم لأنه طويل القامة مفتول اليدين والساعدين وبدأت أمازحه قائلا :
بوكس . . . سير . . بوكس . . . وحاولت أن أداعبه في يدي كخبير في لعبة البوكس ، فأخذ من حولي يضحكون لهذا المشهد ، الأمر الذي أثار الإنكليزي فهجم علي يتمتم بكلمات لم أفهمها وضربني بوكسا قويا في وجهي كاد أن يطرحني أرضا ، ولكنه دفعني بقوة وصلت بها 2 كيلومتر والعياذ باللّه . فتألمت جدا وحاولت الرجوع عليه وقلت له بلعب معك يا خواجة بلعب معك . . . ويظهر أنه فهم بالعكس أو بأنني اشتمه فناولني بوكسا آخر مثنى وثلاث ورباع . . . إلى أن أغمي علي ونفر الدم من أنفي وفمي فتركني الإنكليزي وأنا حملت بواسطة الأصدقاء وبقيت طريح الفراش في البيت لمدة أربعين يوما تقريبا .
كان يقص علينا هذا الحادث بإتقان عجيب والجميع يضحكون ويختم خطابه بشتائم غريبة الشكل ومن الوزن الثقيل لكل إنكليزي . . . ولغته . . . وبلده . . . الخ . إلى ما هنا لك من شتائم ليوم القيامة .
وكنا نأخذ العم أبو موسى كثيرا من الليالي إلى الحمام ؛ حمام العين أو حمام ستنا مريم ، وهناك كانت ليالي يعجز القلم عن وصفها ، وكان يمثل لنا وهو عاري ، والوزة على وسطه يمثل لنا الحادث الطريف الذي حدث مع المرحوم عمر الأفكح المسجل في المجلد الأول من هذا الكتاب ، وهو أي أحمد جاموز التلميذ الوحيد الذي تخرج على يده في الهزل والسخرية .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 447
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٤٧