تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
نعله على مشهد من المارة ، والفلاح . . . ثم يجيء ويلمس ذقن هذا المسكين ويقول له " ول يا زلمة شو هالذقن . . لسا بعدها قاسية . . . والحضور لا يتمالكون من القهقهة لمدة طويلة إلى أن نفد صبر العم أبو موسى فنرفز . . . وجاء بيده وضرب فيها من أعلى طبزية رأس الفلاح بقوة شاتما إياه شتائم يصعب عليّ ذكرها ولكنها نادرة . . . وخاصة بأبي موسى من الوزن الثقيل ، ويقول بعدك ما فهمت ! ! فبصق الفلاح الماء من فمه وهرب إلى باب العامود وترك القدس وفي نفسه غصة . كان أيضا يبيع الحليب في حلة نحاسية في ساحة باب العامود ، فإذا ما أتى أفندي من الباب باب العامود فيبادره بالكلام ومن أعلى صوته " أهلا أهلا واللّه بالمذهب . . . " . ويسكب له فنجانا من الحليب الساخن ، وبدون أي طلب فيشربه منه شاكرا وأبو جاموس يتحفه من الأحاديث والنكات وهو يشرب ، وهكذا كان العم أبو موسى نديم أهل بيت المقدس هذا في النهار ، ولكن في الليل . أؤكد للقارئ الكريم أن أي سهرة كانت عائلية ، أو رجال فقط ، مسيحية أو مسلمين لا يكون فيها أبو جاموس تكون بايخة . . . كما يقولون . فقد كبرت وأخوتي فدخل الإنكليز بدلا عن الأتراك ، وواصلت اجتماعاتي وسهراتي وشطحاتي مع العم أبو موسى ، ولن أنسى تلك الحفلات وليالي الأنس والطرب معه ما دمت حيا . كان أبو موسى يعتبر من الفاهمين للموسيقى العربية ويتذوق الألحان المربوطة من الملحنين القادرين ، ويا ويل لكل من غنى بحضوره غناء مخنثا بعيدا عن الأصول أو نشز بالنغم ، فهناك يبرز أبو موسى وهات يا غمز ولمز وتسميع كلام وضحك بين الجمهور ، حتى يسكت هذا المسكين ويقف عن الغناء ، فكنا نتفقد العم أبو موسى عند معرفتنا بالمنشدين والعازفين على اختلاف أشكالهم وأنواعهم الذين كانوا يهبطون القدس لأول مره ، فهناك سهراتنا المشهورة مع المرحوم الشيخ أحمد الطريفي ، ومحمد السوسي ، وأخي وصديقي درويش السكسك ، والمطرب محمد علي الأسطة من الشام ، وعمر البطش ، وعلي درويش المشهور في حلب وابنه نديم ، وسامي الشوا ، ثم الصفتي وحسنين وعبد الكريم أمير البزق وغيرهم ، كان العم أبو موسى معنا عضوا ملازما ، فكان كما يقولون يشتري الحظ والطرب شراء ، وزاد على ذلك أنه كان يغني ويجيد بعض الأدوار والموشحات والطقاطيق القديمة ، وله صوت حنون ، ولكن كان يخرج الغناء بالفكاهة فيحتار المستمع ويتساءل في قرارة نفسه أيهما كان الأفضل ؟ ! كان أبو جاموس أديبا في كلامه حتى ولو كان سكران بين الآنسات والسيدات ، وهكذا كان يجتمع من أبناء القدس خصوصا طوائف المسيحيين ، وأخصهم الأرمن الوطنيين بالقدس ، يدخلونه بيوتهم بدون كلفة ويعتبرونه منهم بين عائلاتهم ، لأنه - ولا شك - من ذوي الأخلاق الحسنة ، وكم من السهرات قضيناها معه بين عائلات الأرمن بالقدس ، ثم في بيت المرحوم العم أبو عبد اللّه وعائلته وصهره جورج مراد ، وكان بيت العم أبو عبد اللّه محجة للطرب والفن ، وكان مشهورا في إخراج وبيع العرق اللبناني الممتاز والخالي من الغش ، وكنا في كثير من الأوقات نقف مع أبو موسى ونتبادل العرق من العم المرحوم أبو عبد اللّه في محل عمله الملاصق لبيته الخاص ، وذلك ليس بالكاس ، بل في إناء الوقية للكيل والميزان كان يغطّها « 1 » العم أبو عبد اللّه من زير العرق الصافي ويقدمها لنا هاشا باشا . . . فسقيا لتلك الأيام . وقد كانت الأخت أم عبد اللّه
هامش
( 1 ) يغطّها : يستعملها لإخراج السوائل من الوعاء .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 446 | واصف جوهرية