لم يزل أخي وصديقي حيا يرزق « 1 » والحمد للّه وهو يعتبر من كبار أبناء مدينة القدس أمد اللّه في عمره وأرجو له أن يصل المائة بعد مدة وجيزة بإذن اللّه .
عين كارم وصديقنا أشيل
إن صديقنا أشيل هو يوناني وشقيق زوجة جرجي متّى المرحوم الأديب والشاعر في البطريركية الأرثوذكسية بالقدس زمن البطريرك ذميانوس . وكان أشيل قد دخل بالفعل في سلك رهبان قبل الخلاص في الدرجة الأولى ، ولكن كما قيل الحب بلا « 2 » والعشق سم قاتل ، فقد أحب صوفيا ابنة لامبروس تاجر الحجارة الكريمة والمجوهرات والأسلحة المعروفة زمن الحكم العثماني بالقدس . وقد تواصل غرام أشيل من صوفيا بصورة فظيعة وأصبح هذا الغرام يضرب به المثل بين أبناء القدس ، وحرصا على سمعة البطريركية سمح لأشيل أن يقص شعره ويترك هذا السلك الديني ، وبالفعل كان ذلك وتزوج من صوفيا .
كان لصوفيا خالة تمرض أرشمندريت روسي رئيس جمعية الروس في عين كارم ، وكان يسكن هذا الأرشمندريت في أحسن عمارة في المحل المعروف بالمسكوبية محاطة بالأشجار والرياحين والورود ، وقد توفي وكتب في وصيته بأن تستغل هذه الدار من بعده خالة صوفيا نظير أتعابها في آخرة أيامه ، وتوفي الأرشمندريت وأصبحت الدار وموجوداتها وبساتينها في يد خالة صوفيا العجوز . ولما كان أشيل من أعز أصدقائنا وله ميل خاص في الفن وشرب الكاس . . . قضينا زمنا طويلا في صيف سنين عديدة في هذا الدار ، ولنا فيها ذكريات خالدة ، فكانت جلسات سمر في الليل والنهار لا تنقطع فيها عن الغناء والعزف وشرب الراح ، يزورنا فيها المعارف والأصدقاء ، وفي الصباح كل منا يواظب على عمله في القدس . وقد تعينت مخمنا لإنشاءات عين كارم ، وكنت بعد انتهاء العمل مع المرحوم المختار سعيد نرجع إلى هذا القصر الفخم ، ونقضي الأوقات المرحة . . . فسقيا لتلك الأيام .
مقهى العرب
وكان مقهى أبو عبد العرب من أهالي عين كارم الواقع بجانب نبع القرية والجامع مجمع الخلان فكنت لو ترى الأصدقاء والمعارف وخصوصا في نهار الأحد يجلسون فيها ويستمعون إلى الأسطوانات الجديدة التي كان لا يبخل أبو العبد بشرائها ونشرها على الزبائن بسرعة . ولما كانت مياه عين كارم عذبه ومشهورة في فلسطين فكنت ترى كثيرا من الأثريا وخصوصا المطارنة ينزلون إلى عين كارم ( مشوار ) ليس لشيء سوى الجلوس على مقاعد هذا المقهى الجميل ، ويشربون كأسا من مياه العين .
وكانت عين كارم مصيفا لأبناء القدس ، وخصوصا العائلات والموظفين ، نظرا للمناظر الخلابة وجودة طقسها وفاكهتها وماءها العذب وقربها إلى القدس . وإني أذكر - على سبيل المثال - هذا الحادث الطريف :
هامش
( 1 ) يقصد عند تسجيل هذه المداخلة من المذكرات .
( 2 ) الحب بلا : بلاء .
سامي الشوا