بالنسبة لظرفه وخفة روحه ودمه يدخل النكات والمرح على كل من رآه واشترى منه وتكلم معه في الشارع ، فكان الأولاد والنساء والعائلات ينتظرون مروره في الشارع من الشبابيك والطاقات بفارغ الصبر .
وإني أدون القليل من بعض نكاته ، وهو بحكم وظيفته وبيع هذه الأشكال من المأكل والمشرب ، فمثلا :
كان ينادي بأعلى صوته في الظهيرة في الشوارع الرئيسية من باب العامود إلى خان الزيت إلى حارة النصارى وغيرها ، وهو يحمل الصدر الملآن بأقراص اللحم والعجين ينادي :
لية ولحم . . . لية ولحم . . . اللّه يجيب اللي ما ادردا
أي بمعنى اللّه يجيب اللي ما أثر عليه هذا السم أو هذا القرف . . . الخ . والمهم في الأمر أن الزبائن ترد وتقبل عليه بشغف زائد ويتحملون كلامه ولو كان شتيمة . . . ويشترون منه هذا النوع من الأكل ليس لشيء سوى الاستماع إلى هرجه وكلامه المرح ونكاته النادرة ، وكثيرا ما كان يقبل عليه من الفلاحين السذج الذين قلما يتفهمون معنى كلامه وسخريته ، فيأخذهم العم أبو موسى بالتمثيل ويعمل معهم المقالب حتى يغمى على الحضور من هؤلاء الذين يعرفون المعنى الخفي ، الذي كان يقصده أحمد جاموس . . . بصورة يعجز القلم عن وصفها . وإني أدون هذا الحادث الطريف بالمناسبة .
كنت وأخي توفيق راجعين من مدرسة الدباغة لتناول طعام الغذاء وكان عمرنا ربما في العاشرة أو الثانية عشرة . . .
وعندما وصلنا شارع باب العامود في طريقنا إلى السعدية ، إذ كان جمهور مجتمع حول العم أبو موسى لحضور تمثيلية من تمثيلياته المضحكة ، وما هي هذه التمثيلية ونحن كنا ولم نزل نحب الفن وحب الاستطلاع على الخفايا :
دخل فلاح غريب على دكان الحلاق المعروف بالأسطة باب العامود ، وكان نهار الجمعة ، وفي هذا اليوم تكون القدس خصوصا داخل السور ملأى بالفلاحين الذين يزورون القدس للصلاة في الحرم . فدخل الفلاح الدكان وطلب من الحلاق أن يحلق له في الحال ، والعجيب في الأمر أن الحلاق كان يحلق لزبون آخر ، وأن كثيرا من الزبائن كانت تجلس في الدكان وكل منهم ينتظر دوره للحلاقة ، وقد لفت هذا الفلاح بسبب طريقة طلبه الحلاقة نظر الجميع على طريقة طلبه الحلاقة من العم الأسطة في الحال .
وإذ مر العم أبو موسى ينادي ليه ولحم اللّه ما يجيب اللي ما ادردا . . غمزه الحلاق الأسطة على غباوة هذا الفلاح فأسرع العم أبو موسى وعمل هذا المقلب :
أخذ الفلاح من يده إلى الشارع وقال له دعني أجس ذقنك . . . فجسها بيده ثم قال له بكل رزانة ووقار " ول يا زلمة . . .
هذه ذقنك قاسية . . ويلزمها نقع بالماء الساخن من داخل الفم من جوا . . " ثم أحضر كرسي من الدكان وأجلس هذا المسكين عليه في منتصف الشارع في الشمس وكان الفصل صيفا . . . ثم أحضر الماء الساخن وأدخله في فمه ، وقال له سكر فمك ، فجلس هذا وفمه مغلق ويديه على رجليه من على الكرسي . . . بصورة مضحكة للغاية . . . وكان أبو موسى يعدو ويغدو من حوله بدون ضحك ، بل بوجه عابس وكأنه الحلاق الماهر إنما كان ينتظر لين شعر الذقن فقط ! ! ثم ذهب مسرعا إلى دكان الطزيز بائع الحلاوة ، وأحضر السكين الحديد القديمة العظيمة القذرة من هناك . . . وبدأ يجلخها على
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 445
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٤٥