تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
الترديدة المعروفة ، وكان مشهدا فريدا من نوعه وابتكارا جديدا في علم الكيف والحظ ، وبعدها انتقلنا إلى أغنية آه يا أسمر اللون حياتي الأسمراني ، حتى كنا نتخايل بأن العمارة كلها كانت ترقص طربا إلى بعد منتصف الليل ، وبقينا على هذا الحال ما يقرب من مطلع الفجر ، ولم نكتف بما حدث ، بل تركنا العمارة وذهبنا ، وأنا على عودي وجميع من كان في الحفلة من حولي وخلفي مشيا على الأقدام ، فعرجنا على هو سبيس النمسا إلى الطريق المودية إلى باب العامود ، ثم دخلنا الزقاق المؤدي إلى حي المصرارة وجلسنا في معصرة السيرج العائدة - آنذاك - إلى المرحوم عمر الدجاني بجانب فرن الزروق ، وغنينا في المعصرة وسرنا مع هذا الموكب ، وكان جاموس وفهيم وغيرهم يزغرتون ويشوبشون وكأنه حفلة عرس تماما إلى أن أوصلوني إلى بيت والدي في محلة السعدية ، والجدير بالذكر أنك كنت ترى أكثر الناس كانوا يفيقون من نومهم ويطلون علينا من الطاقات والشبابيك على طول الطريق ، وكانت ليلة من العمر لم يزل يذكرها المعارف والجيران وجميع سكان تلك الأحياء من عقبة المفتي إلى الشيخ ريحان . هذه هي حفلاتنا في الزمن القديم وهذا هو وصف متواضع لما كنا نقوم به ولا أدري لما ذا ؟ ! الجواب بسيط جدا وهو تعطش الأهلين إلى البهجة والسرور بعدما لا قوا من الإهانة والمرض والجوع والتشتيت زمن الحرب العظمى الأولى ، زمن ظلم دولة الظلم الأتراك ، فعندما احتلت بريطانيا البلاد تنفسنا الصعداء قليلا ، ولكن مع الأسف لم تكمل هذه الفرصة ، بل واجهنا شدة ومصيبة هي أشد وأبلى من زمن الأتراك ، وهي ضياع الوطن العزيز بأسره بواسطة المحتلين الإنكليز فيا ويلهم عند اللّه إنه سميع مجيب !

أخي وصديقي أحمد جاموس

معرفتي بأخي وصديقي أحمد جاموس وهو من عائلة شتية المقدسية منذ القدم ، كانت منذ حداثتي ، فكنت أسكن حي السعدية وهو بجوار ذلك الحي ، وكان اسم جاموس على ألسنة الكبار ، وخصوصا الأولاد الصغار في معظم أحياء القدس القديمة ، لأنه كان يتجول نهارا وليلا ، ويبيع البوظة للعائلات والأولاد . كان يجلس على كرسيه البلدي الصغير ، ويدور دولاب برميل البوظة الخشبي بما فيه من الثلج حول إناء الحليب أو الليمون ، يدوره بيده وبمساعدة مساعده حتى يصبح الحليب أو الليمون بوظة . . . فيسكب القليل منها ويقدمها لنا ثم يحمل ومساعده البرميل وطاولة الصحون والكرسي ويسيران ، وقد نظم ولحن الأغنية المحببة للأولاد آنذاك وهي " دندرمة يا دندرمة شاكريتي دندرمة " ، ويغني هذه الأغنية مع زميله أو زملائه دعابة موفقة يغنيها بأعلى صوته ، ولها أبيات جميلة في هذا الموضوع . وفي الصباح كان جاموس يبيع السحلب الساخن في إبريق كبير ومن تحته النار في فصل الشتاء ، وينادي سحلب كينور . . . ثم وعند الظهيرة ، وخصوصا في أيام الصيف يبيع اللحم والعجين وينادي عليها " لية ولحم " ، وهي المعروفة بالصفيحة ، وكان