بيوت أصدقائنا حي الأرمن ، كما أنني قمت بدوري فكانت ليلة ساهرة حول نافورة النيكوفورية ، واستمعنا إلى عزف كمان أو رباب ليس له مثيل ، وكنا نرقص طربا مع الدكتور كراكوزيان ، وقد دهش بعزفه خاصة أستاذي العم أبو فؤاد حمادة العفيفي ، والمرحوم علي عباس الجاعوني ، وكانت ذكرى أضفتها لذكريات سابقة والحمد للّه .
الدكتور منصور فهمي
أدون بكل سرور صلتي مع أستاذي العزيز السكاكيني التي لم تنقطع منذ حداثتي وتعلمي في مدرسته الوطنية إلى يومنا هذا ، أي بعد زواجي كما ذكرت سابقا . كان الأستاذ أبو سري عندما يزوره أحد من أصدقائه الأدباء من الأقطار العربية أول ما يفكر به أن يحضره إلى المجموعة الجوهرية ، فكان يجلس مع هذا الصديق في عيادة البيطري توفيق الحلاق التي كانت واقعة في حي مأمن اللّه ، ويرسل تذكرة إلي يقول فيها واصف فلان من أصدقائي وحضر القدس ومن واجبنا إكرامه واطلاعه على كنوز الفن .
فيقوم مجلس الإدارة في تنظيم ما تتطلبه الحفلة بالسرعة ، وهكذا أصدقاء والحمد للّه كانوا كثيرين ومن خيار العلامة ، فكنت ألبي طلبه بكل فرح وسرور وافتخار .
هبط القدس الدكتور منصور فهمي العلامة الشهير من مصر ، وبالاختصار زار المجموعة الجوهرية والسكاكيني والصحافي محمد علي الطاهر وغيرهم من الأدباء ، وكانت حفلة أدبية شائقة تجلى فيها العلم والأدب بالإضافة إلى الفن ، وقد أرسل وبعث السكاكيني فحضر الشيخ موسى البديري ، والشيخ محمد الصالح ، فكمل النصاب القانوني . . . وعلا السكاكيني العرش وفي يده الأركيلة حول النافورة بعدما تفقدوا الآثارات والتحف الشرقية ودهشوا خصوصا من صور الموسيقيين القدماء أمثال عبده الحمولي ، والمنيلاوي ، وعثمان ، ودرويش ، وسلامة ، وأم كلثوم ، ومن ثم آلات الطرب الشرقية في غرفة الموسيقى ، الأمر الذي أعطى صورة واضحة للدكتور منصور عما يحتويه هذا البيت وأهله من فن رفيع .
كان الاستماع إلى الموسيقى من الحضور بلهف ، ما أدخل النشوة والطرب لكل منا نحن المنشدين والعازفين ؛ أي أنا وأخي توفيق ، وقد أثنى الدكتور على ما سمعه من موشحات أندلسية أعترف بأنه لم يستمع إليها من قبل حتى في بلد الفن القاهرة ، وقد كتب في مذكراته الموشح الآتي وشهد الجميع على عظمة التلحين والمعنى في الموسيقى العربية في الزمن القديم . أما هذا الموشح ، فقد تعلمته من عازف القانون محمد حسين السوس ، ومطلعه :
يا من تناديني * وحبك ديني
منك رأيت العجب * على البعد تدنيني
دور