بقي آرتين في القدس حتى افتتحت الإذاعة ، وبواسطتي تعين وكان يعزف وحده ومع الفرقة على آلته المحبوبة إلى أن ترك البلاد ورجع إلى أرمينيا . ولم يزل ذكر آرتين السانتورجي على ألسنة أبناء القدس ليومنا هذا ، ومع الأسف لم نوفق بعازف سانتور من شاكلته . وإني لن أنسى حفلاته معنا ومع سامي الشوا في مصيف فخري النشاشيبي في قرية عين كارم . . .
فسقيا لتلك الأيام ما كان أحلاها !
الموسيقار سيساق عازف العود
على ذكر صديقي الدكتور هاكوب كراكوزيان أقول إنه جاءني ذات يوم إلى السراي - باب العامود - وبشرني بحضور عازف عود عالمي سهر وإياه في حارة الأرمن ، ودعاني لحفلة ساهرة معه في بيته واتفقنا مع الشكر . وهكذا تعرفت بهذا الفنان العجيب في تلك الليلة التي لا أنساها مدى الحياة ، وإني أقولها صراحة إنني لم ألتق ولم أستمع لعزف عود كما شاهدت واستمعت إلى عزف سيساق ، فكان يعزف بمهارة فائقة وبأسلوب عال على مستوى ما سمعته من عازفين ، مصريين كانوا أم أتراكا .
كان سيساق يميل بالطبع في عزفه إلى الأسلوب التركي ، ويجيد علم النوتة الإفرنجية ، ما أكسبه إتقان عزف العود على أساس متين ، وإني أقول إنه - ولا شك - موهوب ، وقد بقي بالقدس ولم أنقطع عن الاجتماع به لمدة أسبوع ، فتراني بعد انتهاء عملي ألتحق به أين ما كان ، ولنا ذكريات في حي الأرمن لطيفة جدا ، حتى أنني دعوته وأقمنا حفلة نادرة في بيتنا في النيكوفورية ، فطرب لما لمسه من فن الموسيقى وما تحتويه المجموعة الجوهرية ، وقدم لي كتابه بعلم الموسيقى مزين برسمه وتوقيعه على الغلاف ، وأحتفظ به ما دمت حيا ، وهكذا بعد الحفلة التي كانت تضم أخي وصديقي وأخي النابلسي والقاضي محمد يوسف الخالدي ، قبل سيساق النوم عندنا ، وأمضى ليلته وأنا بجانبه على السرير الثاني نتناول أطراف الحديث عن الموسيقى والفن إلى قريب الفجر . وقد أخبرني بأن صديقا له يعزف الكمان المؤلفة من جوزة الهند ، فأخذنا علما بذلك وترك القدس وفي قلبنا حسرة على فراقه . . . وفقه اللّه ، وأدام عمره ، وأكثر من أمثاله إحياء لروح الفن .
عازف الكمان الهندي
عازف الكمان الهندي ليس هنديا ، بل أرمني ، ولكنه يعزف آلة الكمان الهندية ، وهي مصنوعة - كما قلت - من جوزة الهند وتضم وترين فقط . إني أحتفظ بواحدة تشبهها كل الشبه ومعروفة بالربابة الهندية ، وبالفعل قد اشتراها لي والدي كما كنت ذكرت في الكتاب الأول من هذه المذكرات .
ولكن كمان هذا الرجل بحجم أكبر وأحسن إتقانا في الصنع ، دخل القدس هذا العازف العجيب وبحسب عنوان أعطي له من الموسيقار سيساق جاء توا إلى أخينا الدكتور كراكوزيان ، وإذ هو حامل آلته الموسيقية هذه وملصق عليها ما هب ودب من الشعارات والماركات التي تدل على أنه كان يتجول من بلد إلى بلد ومن قطر إلى آخر ومن دولة إلى دولة منذ زمن طويل ، وحضر الآن القدس فقلنا ألف أهلا وسهلا ، فعاشرته وأكرمت مثواه وجلسنا معه الجلسات الفريدة في كثير من