وبقي القسم الشمالي من فلسطين تحت سيطرة بقايا الجيش التركي والسلطة العثمانية حتى نهاية سنة 1918 .
ودعم الإنكليز في هذا القسم مجموعات المقاومة باسم الشريف حسين ضد الجيش العثماني المتقهقر . لكن حتى بعد هزيمة الأتراك وهيمنة الحكم البريطاني على الأراضي الفلسطينية كافة ، بقيت الحدود بين فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية في وضعها " العثماني " المنفتح . أي أن حركة المرور بين هذه المناطق الشامية لم تخضع بشكل مفاجئ لتقييدات الأوراق الرسمية والجوازات ، إلى أن بدأت الجمارك والشرطة الفرنسية والشرطة البريطانية تنفيذ الأحكام الصارمة للحدود الجديدة من أجل ضبط تهريب الدخان والبضائع ، ثم ملاحقة الثوار في أواسط الثلاثينيات .
سمح هذا الفراغ القانوني للأرياف بتقوية القوانين العشائرية والعرفية . أمّا في المدن الكبرى فقد عزز مكانة كبار الضباط والقضاة المعينين - من إنكليز وفلسطينيين - وأعطاهم صلاحيات واسعة للتصرف في تطبيق القانون المحلي وفق ما يرتؤون . وفي الإمكان معاينة هذه الصلاحيات الواسعة من خلال عدة قضايا مدونة عن الفترة 1919 - 1920 في محكمة الصلح في القدس ، حين كان القاضي الرئيسي فيها محمد يوسف الخالدي ( الذي عرف بتراهته وأطواره الغريبة ) . ففي إحدى هذه القضايا عالج الخالدي حالة مومس من البلدة القديمة جاءت في قضية " تعكير صفو الأمن وإحداث الفوضى " . ويبدو أن القاضي كان لا يزال في وضع متوعك عندما أحضرت المرأة أمامه وهي تقاوم وتصرخ فقال لها على مسمع الحضور :
" أسكتي . . . سكري تمك . . . شرموطة ! ! " .
ولكن لم تتحمل المومس الإهانة ، فأجابته على الفور " أنا يا سيدي إذا كنت كما تقول شرموطة أكون في بيتي وليس في محكمة الدولة ! ! " .
وهنا تراجع في الحال صديقنا القاضي وقال لها صح معك كل الحق . ثم التفت إلى رئيس كتبته المدعو جمال الصلاحي ، وقال له :
سجل دعوى الآن المدعي فلانة بنت فلان
المدعى عليه القاضي محمد يوسف الخالدي
الدعوى إهانة
الحكم على المدعى عليه دفع جزاء خمس ليرات فلسطينية ، وقد أخرج من جيبه المبلغ ودفعه إليه ، وهذا بدوره أحاله إلى الخزنة ، وجلب الإيصال باسمه حسب الأصول ، وسلمه إلى القاضي الذي ختم الدعوى المقامة عليه منه بالذات ، واعتذر إلى المومس . « 1 »
من السمات الأخرى لهذه الظاهرة العتبية ، الطابع " الرخو " للحدود الجديدة مع كل من لبنان وسورية والأردن الذي أشرنا إليه أعلاه ، والذي عكس استمرارا ثقافيا لوحدة المناطق الشامية في النظام العثماني المنصرم .
هامش
( 1 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 91 - 92 .