بداية التمرد والنوستالجيا العثمانية
لم يستمر شهر العسل مع سلطات الانتداب البريطاني طويلا . فقد ظهرت إشارات التململ ضد الحكم البريطاني بعد أن قررت الحكومة إجراء التعداد الأول للسكان سنة 1920 ، وفيه صنفت السكان إلى ثلاث فئات طائفية :
مسلمين ومسيحيين ويهود . ورأت القيادة الوطنية في القدس التعداد كأداة للشروع في تنفيذ مشروع الوطن القومي اليهودي ، وليس وسيلة للتخطيط الاقتصادي كما أعلنت الحكومة . واتخذت القيادة قرارا بمقاطعة الإحصاء ، لكن لم يكتب لهذه المقاطعة النجاح . « 1 »
عندما جاءت الحكومة البلشفية إلى السلطة ونشرت بنود اتفاقية سايكس - بيكو السرية لتقسيم بلاد الشام بين الحلفاء ، بدأت الجماهير العربية بالتحرك . وقد ركز الشارع الفلسطيني على مسألتين : الهجرة اليهودية ( التي أصبحت الآن من أهداف السلطة الانتدابية ) ، ونقل الأراضي إلى مشاريع الاستيطان الصهيوني .
وبعكس الوضع الذي كان سائدا في الفترة العثمانية ، تحولت المناسبات الاحتفالية الشعبية والدينية الآن إلى بؤر مواجهة مع السلطة الانتدابية . وكان أهم هذه الاحتفالات في المنطقة الوسطى ( إن لم يكن في فلسطين كلها ) مسيرة موسم النبي موسى . بدأت هذه المواجهات في ربيع سنة 1919 ، واستمرت عامين . في هذه الفترة أخذ الكولونيل ستورز على عاتقه تنظيم هذه الاحتفالات هادفا من وراء ذلك ، بحسب تحليل واصف جوهرية ، إلى السيطرة على مسيرة الجماهير كي لا تتحول إلى " أعمال شغب " بلغة السلطة ؛ ومن ناحية أخرى إلى استيعاب هذه المسيرة التقليدية ضمن نشاطات الإدارة المدنية الجديدة في فلسطين .
وفي هذا الإطار توافقت رؤية الحاكم العسكري مع مصالح الحاج أمين الحسيني ، النجم الصاعد بين قادة الحركة الوطنية ، والذي اعتبر نموذجه التاريخي القائد صلاح الدين الأيوبي حين ابتدع مسيرة النبي موسى في نهاية حروب الفرنجة . فالحاكم العسكري ومفتي القدس تواطآ - كل لأهدافه الخاصة - على تنظيم مراسيم خروج المسيرة من القدس .
وهكذا تحولت احتفالات النبي موسى ، التي كانت تشكل أحد أهم الاحتفالات الشعبية في الفترة العثمانية ، إلى عيد رسمي بوصاية انتدابية . أمّا الحاج أمين فقد ساهم بدور فعال في " تأميم " هذه الاحتفالات بإشراف مكتب المفتي « 2 » . وفي السياق نفسه ، بادرت السلطات الانتدابية أيضا إلى تنظيم احتفالات الجمعة العظيمة وسبت النور بإشراف الدولة ، وهو خطوة استكملت إعادة ترتيب الاحتفالات الدينية الشعبية بوصاية حكومية ، في الفترة نفسها التي بدأ المجتمع فيها بالتوجه نحو رؤية قومية علمانية في تنظيم نفسه .
أمّا ستورز ، المستشرق الذي أدى دورا مهما في إحياء هذا التقليد ، فقد خلفه السير إدوارد كيث - روش ، الحاكم العسكري المعادي للعرب . وقد كان واصف جوهرية عرف الحاكمين عن قرب بحكم وظيفته في الحكومة ، وقارن بين شخصيتيهما وأسلوبيهما في إدارة شؤون السلطة لمصلحة المثقف والسياسي المحنك رونالد ستورز . لكن واصف كان يعي أيضا دور ستورز في استغلال التراث الديني للوصول إلى أهدافه السياسية ، كما يتضح من الوصف التالي للاشتباكات بين جماهير القدس والشرطة البريطانية سنة 1921 :
أقام الجيش قوة دفاع هائلة في الثغرة التي فتحت خصيصا لدخول الإمبراطور الألماني في سور المدينة بجانب المدخل الرئيسي باب الخليل ، وهذه القوة التي عززت بالمدافع الثقيلة والدبابات وقوى الجيش المسلح بكامل
هامش
( 1 ) يذكر جوهرية أن وجهات النظر في فلسطين اختلفت في مواقفها من التعداد العام ، وأن فخري النشاشيبي ، ابن عم راغب ، قائد المعارضة لاحقا ، قاد تيارا يدعو فيه السكان إلى مساندة الدعوة إلى التعداد .
( 2 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 198 - 199 .