الروسي ( المسكوبية ) ، وعودة إلى البلدة القديمة من باب الخليل ، ثم إلى الهوسبيس النمساوي ، انتهاء بحي الشيخ ريحان في محلة السعدية . « 1 »
يقول واصف جوهرية ، في نهاية وصفه لذلك اليوم المشهود في تاريخ القدس : " كانت ليلة من العمر ولم يزل يذكرها المعارف والجيران وجميع سكان تلك الأحياء من عقبة المفتي إلى الشيخ ريحان . هذه هي حفلاتنا في الزمن القديم وهذا هو وصف متواضع لما كنا نقوم به ولا أدري لما ذا ؟ " ويجيب عن تساؤله : " الجواب بسيط جدا وهو تعطش الأهلين إلى البهجة والسرور بعدما لاقوا من الإهانة والمرض والجوع والتشتيت زمن الحرب العظمى زمن الظلم ، فعند ما احتلت بريطانيا البلاد تنفسنا الصعداء قليلا ولكن مع الأسف لم تكمل هذه الفرحة بل واجهنا مصيبة هي أشد وأبلى من زمن الأتراك وهي ضياع الوطن العزيز بأسره بواسطة المحتلين الإنكليز . "
سرعان ما وجدت هذه الاحتفالات الشعبية تعبيرا مكانيا لها من خلال افتتاح العشرات من المقاهي والملاهي في مركز المدينة وأطرافها ، حيث أمكن للمقدسيين التجمع في أوقات فراغهم لسماع موسيقى الغرامافون ، وتناول المشروبات ، وتدخين النارجيلة . « 2 » برزت شهرة مقهيين في هذه الفترة : " مقهى العرب " في عين كارم ( وصاحبه أبو العبد عرب ) الذي كان يستقبل الزوار طوال الليل ؛ مقهى وبار الجوهرية ، الذي كان يستقبل الفنانين الزوار والمغنين والمغنيات من القاهرة والإسكندرية وبيروت . « 3 »
في الأعوام الأخيرة من الحكم التركي بدأ كثير من الجمعيات السرية المناوئة للسلطة بالظهور إلى العلن . ومن أهم هذه الحركات كانت " جمعية الإخاء العربي " التي تأسست في إستنبول سنة 1908 بعد إعلان الدستور ؛ الجمعية القحطانية وتأسست في إستنبول سنة 1909 ؛ الجمعية العربية الفتاة ( 1912 ) ومركزها بيروت ؛ جمعية العلم الأخضر وتأسست في إستنبول سنة 1912 . « 4 » وفي فلسطين كانت أهم هذه الجمعيات " المنتدى الأدبي " ، الذي كان من أبرز أعضائه فخري النشاشيبي ( من قادة حزب الدفاع لاحقا ) ، وصليبا الجوزي ( أخو بندلي الجوزي ، المؤرخ الماركسي ) ، وخليل السكاكيني ، وموسى العلمي ، وإسعاف النشاشيبي . « 5 »
وكان حزب الصعاليك ، الذي أسسه خليل السكاكيني خلال الحرب العظمى ، مجموعة أخرى مماثلة للمنتدى الأدبي في كونها سياسية أدبية ( أو ربما سياسية بواجهة أدبية ) ضمت كثيرين من رواد الحركة النهضوية من يافا والقدس ، أمثال نخلة زريق وعادل جبر والأخوان عيسى العيسى وداود العيسى ، مؤسسي جريدة " فلسطين " سنة 1909 . أمّا المنتدى الأدبي فقد تحول لاحقا إلى نواة الجمعيات المسيحية - الإسلامية خلال فترة الحكم العسكري . ويوفر لنا واصف جوهرية شهادة عيان على مهرجان جماهيري عقد في بداية سنة 1918 خارج باب الخليل خاطب المجتمعين فيه فخري النشاشيبي وصليبا الجوزي اللذان هاجما وعد بلفور ودعوا إلى الوحدة السورية . « 6 »
الحكم العسكري : مومس في البيت !
تلقي المذكرات الجوهرية أضواء جديدة على طبيعة السنوات الانتقالية الحاسمة التي تلت الحرب العظمى ( 1917 - 1921 ) ، والتي لم يكن مصير مستقبل فلسطين قد حسم خلالها . تميزت هذه السنوات بالعتبية الثقافية ، إذ انهار النظام العثماني عسكريا وسياسيا ، لكن الحكم الكولونيالي البريطاني لم يكن قد وطد مؤسساته بعد . " عشنا في دولة من الجهل " - صرح لاحقا الكولونيل ستورز ، حاكم القدس العسكري - و " كلمتي كانت القانون . " « 7 » تم تعليق العمل بجميع القوانين المدنية لمصلحة الأحكام العرفية التي أصدرتها قيادة الحكم العسكري ، بإدارة الجنرال موني . مرت فلسطين بفترة ، وفق كلمات مؤرخة الفترة الانتدابية بيان نويهض الحوت ، " لم يكن هناك [ فيها ] محامون ولا قضاة ولا محاكم ولا صحف . " « 8 »
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ص 147 .
( 2 ) بشأن المزيد من وصف هذه المقاهي في الفترتين العثمانية والانتدابية ، أنظر :
سليم تماري ، " مقهى الصعاليك وإمارة البطالة المقدسية " ، " مجلة الدراسات الفلسطينية " ، العدد 57 ( شتاء 2004 ) ، ص 117 - 132 .
( 3 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 151 .
( 4 ) حنا أبو حنا ( إعداد ) ، " مذكرات نجاتي صدقي " ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، 2001 ) ، ص 196 - 197 . أنظر أيضا : مناع ، مصدر سبق ذكره ، ص 248 .
( 5 ) بشأن أصول النادي الأدبي في القدس ، أنظر : " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 26 - 28 ، 62 ، 87 .
( 6 ) المصدر نفسه ، ص 26 .
( 7 )Storrs , op . cit . , pp . 372 - 373 ,نقلا عن : بيان نويهض الحوت ، " القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين ، 1917 - 1948 " ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، 1981 ) ، ص 66 .
( 8 ) الحوت ، مصدر سبق ذكره ، ص 66 .