وكان واصف أدى هذه الأغنية أول مرة في احتفال أقامه متصرف القدس لنخبة من الضباط العرب والأتراك خلال الحرب . ويقول في هذا المجال : " وأذكر وأنا أغني الأبيات كثيرا من أصدقائي ، بل أقربائي المحرومين لا من أكل شيء من هذه الأشكال فحسب ، بل النظر إليها . " « 1 »
من المفارقة أن " أنشودة المجاعة " هذه كان لها أثر سحري في خيال المجتمع المقدسي . فقد بدأ الناس ينشدونها في الشارع كأنها طقس من طقوس استحضار المحاشي الشهية التي اختفت من حياتهم ، ورافقها موقف مستهزئ ورافض للانهزام أمام الموت والدمار . وقد بقيت هذه الأغنية بعد الاحتلال ، فأصبحت معروفة بين الأهالي ، وخصوصا في مدينة القدس كذكرى لسنوات الحرب العالمية الأولى . « 2 »
وعلى الرغم من الدمار الذي أصاب البلد ، وربما بسبب هذا الدمار ، فقد أصبح في إمكان بعض المفكرين الناقدين أن يرى في هذه الأعوام الحرجة - أعوام الحرب - مرحلة انعطاف تاريخية في حياة المجتمعين الفلسطيني والسوري . كتب محام مقدسي معاصر لهذه الأحداث ، مشيرا إلى تأثير الحرب وهجرة الناس في تغيير النسق القيمي للحياة اليومية : أهل الريف يزورون المدينة بانتظام ، ظهور المقاهي وثقافة الترفيه في المدن ، دخول النساء إلى المدارس وبداية نزع النقب عن وجوههن . « 3 » وكان الإطار الأوسع والمرافق لهذه التغييرات الاجتماعية تراجع الانتماءات الدينية ( الطائفية ) والانتماءات المحلية ، وهيمنة التيار القومي العربي والسوري .
فوضى في الشارع
تظهر أعوام ما بعد الحرب في يوميات واصف جوهرية الانتدابية كأنها ثلاثة أعوام من الفوضى ، في حياته الشخصية وفي فلسطين إجمالا ، وكأن الانسياب العام في أوضاعه الخاصة كان انعكاسا لتردي أوضاع الوطن . مع ذلك فالفوضى هنا كانت فترة تجلت فيها أشكال متنوعة من الانعتاق والحرية العامة .
يستذكر واصف هذه الأعوام الأخيرة بشغف لأنها كانت آخر أعوام العزوبية قبل أن يتزوج ويستقر . وقد صدف أنها بدأت بوفاة حاميه ومستخدمه رئيس بلدية القدس ، حسين أفندي الحسيني . وهو يصف حاله في تلك الفترة ب " جزء فوضى من حياتي . " يقول : " بعد وفاة المغفور له حسين أفندي بصفته الوالد الثاني ، لم يعد لي أحد يرشدني في هذه الحياة ، ونظرا لميلي الفطري للموسيقى التي احتازت أكبر قسم من حياتي ، وبعدما أنهيت واجبي في خربة دير عمرو ، كما وعدت حرم حسين أفندي السيدة أم سليم ، أصبحت متشردا في هذه الحياة بصورة أعتبرها بكل تأكيد فوضى ، فكنت أقضي معظم أوقاتي إن كان ليلا أو نهارا وأنا في حالة غيبوبة من الحظ المتواصل ، فمن سهرة للصباح ، ثم نوم في النهار ، وبعده سهرة متصلة بشطحة في إحدى القرى من قضاء القدس ، ولم أكترث بأي أحد ولا مسؤولية ما ، ولا أذهب لبيت والدتي إلّا لتغيير هدومي ليس إلّا . فأنام في بيت الأصدقاء والخلان ، وهكذا إلى أن تعب جسمي وأنهكه السهر والسكر ، فتارة أكون في سهرة في محلة باب حطة ، وعند الصباح أكون في شطحة ضمت أرقى العائلات وأعيان القدس ، ثم جلسة خاصة في بيت من زوايا القدس مع من يدعوهم القبضايات أو الزعران . " « 4 »
استترفت هذه الفترة الإباحية معظم سنة 1918 والسنة التي تليها ، وعكست أجواء اجتاحت الحياة اليومية في المدينة عامة . ويزودنا واصف بلمحات كثيرة عن احتفالات عامة في أزقة البلدة القديمة وخارجها ، اتسمت بالمسيرات الموسيقية ، و " الهيصات " التي رافقها الاستهلاك العلني للخمور . في إحدى هذه المناسبات ، والتي شارك فيها - بحسب الرواية - مئات من المحتفلين ، بدأت المسيرة من باب العمود ، ثم انتقلت إلى المصرارة فالمجمع
هامش
( 1 ) المصدر نفسه .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) عمر صالح البرغوثي ، " المراحل " ( بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2001 ) ، ص 192 - 193 .
( 4 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 23 .