تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 21

مساهمون:

صمقدمة ٢١
في صيف سنة 1922 قرر واصف أن يمضي إجازته مع أخيه خليل في ربوع سورية ولبنان مرورا بالحدود الجديدة في شمال فلسطين . وكان أخوه خليل خدم ثلاثة أعوام من الحرب جنديا في الجيش العثماني في بيروت . ونراه يدون حادث عبوره الحدود مع لبنان من خلال مركز رأس الناقورة من دون أي التفاتة ، وكأنه يمر من منطقة إلى أخرى داخل البلد نفسه . « 1 » وفي أثناء ثلاثة أعوام يمر واصف بالمنطقة الحدودية نفسها في زيارة للبنان - هذه المرة مع عروسه فيكتوريا بالسهولة والانسياب أنفسهما ؛ « 2 » وهذه هي بالذات المنطقة الحدودية التي ستتحول إلى نقطة عبور دولية شديدة الإحكام بعد عشرة أعوام من هذه الحادثة . يصور هذان الحدثان حالة التسرب - بل السيولة - التي اتسمت بها تخوم فلسطين الشمالية المتصلة بالأراضي اللبنانية والسورية في بداية عهدي الانتداب البريطاني والانتداب الفرنسي ، وهو التواصل الذي حدا بعض الأحزاب ( مثل الاستقلال ) على تسمية فلسطين سورية الجنوبية في حينه - وذلك قبل أن تتراجع هذه السيولة وتنحسر لمصلحة الدولة الكولونيالية المبنية على بلورة مفهوم المواطنة الجديدة الإقليمية وقوانينها الاستئثارية التي فصلت فلسطين عن الجنوب اللبناني ، وأنهت وجود بلاد الشام التي كانت تشكل وحدة إقليمية وثقافية مشتركة . كما تميز هذا الانفصام بتكوين نظام الحكم للدولة الكولونيالية بجهازه العسكري والبيروقراطي ، ونظامه القانوني الجديد . وشرعت سلطة الانتداب داخل كل قطاع من هذه الدولة في استحداث تعيينات بيروقراطية تهدف إلى الموازنة بين تمثيل السكان الفلسطينيين المحليين وبين السكان اليهود المهاجرين . وفي حين كان التمثيل الفلسطيني المحلي فرديا ومباشرا ومبنيا على اعتبارات وجاهية أو إقليمية أو مذهبية ، كان التمثيل اليهودي جماعيا تفاوضت سلطة الانتداب بشأن تفصيلاته مع الأجهزة الصهيونية السائدة حينذاك : الوكالة اليهودية ، واللجنة التنفيذية الصهيونية . وفي الفترة التكوينية للانتداب ، حين تم إنشاء الإدارة المدنية سنة 1920 ، كان التمثيل اليهودي يتجاوز كثيرا نصيب السكان اليهود في فلسطين والبالغ 12 % من السكان . يقول المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف في هذا المجال : " برز تعيين اليهود الفلسطينيين في مناصب قيادية واضحا خلال إدارة هربرت صامويل [ المندوب السامي الأول ] . وقد احتج حينذاك مدير الأمن العام في فلسطين ، الكولونيل بيرسي براملي ، على أن اليهود المحليين احتلوا جميع المراكز القيادية في السلطة بالاشتراك مع الصهيونيين البريطانيين . وفي الواقع - كتب براملي - إن حكومة صامويل كانت عمليا حكومة صهيونية . " « 3 » ولم يكن واصف جوهرية شاهد عيان على هذه المرحلة الحرجة فقط ، بل شارك مشاركة فعالة أيضا في الطاقم الإداري للدولة الجديدة . في البداية عيّن في منصب مهم في قسم التحريرات ( ديوان الموظفين ) ، وفي سنة 1919 انتقل إلى دائرة الأراضي حيث أسند إليه منصب " مدير مالية " . وكان من مهمات الطاقم الذي عمل معه تكملة تقنين وتخصيص نظام ملكية الأراضي الفلسطيني الذي شرعت فيه السلطات العثمانية سنة 1858 . وتشكل مذكراته سجلا غنيا ومفصلا لهذا التحول . ففي صيف سنة 1920 سجل المؤلف هذه الملاحظة :

" وهكذا تشكلت الإدارة المدنية :

" مديرو دائرة المعارف ، والأمن ، والمالية ، والجمارك والعدلية ، والزراعة من الإنكليز ، ومديرو دوائر المهاجرة ، والسفر ، والأراضي من اليهود والإنكليز ، وقد عينت المسترن . بنتويتش الصهيوني مستشارا قضائيا [ . . . ] فهذا كان البداية لتنفيذ وعد بلفور في فلسطين . " « 4 » استمر عمل واصف في قسم المالية في إدارة الأراضي مدة فاقت العقدين من الزمن ، وكان من زملائه في الدائرة سامي هداوي وإسطفان إسطفان اللذان اشتهرا لاحقا بكتاباتهما عن الفترة الانتدابية . وتوفر لنا هذه المذكرات رؤية واضحة للدور الذي أدته قوانين الأراضي المستحدثة في تسهيل نقل حيازة الأراضي المدينية والزراعية إلى
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ص 185 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 161 . ( 3 )Tom Segev , One Palestine Complete : Jews and Arabs under British Mandate , Haim Watzman , trans . ( London : Little Brown Co . , 2000 ) , pp . 167 - 168 .( 4 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 182 .