اليهود ، إذ شملت إلغاء ضريبتي العشر والويركو . « 1 » وهما ضريبتان عثمانيتان متعلقتان بالأراضي كان الهدف منهما تحصيل دخل للدولة المركزية من أصحاب الأطيان من دون اعتبار لنوعية الأرض أو إنتاجيتها . وهدف إلغاؤهما إلى إنشاء ضريبة فئوية تأخذ في الاعتبار موقع الأرض ونوع التربة . أخيرا قامت دائرة الأراضي بتسريع تسوية تسجيل الأراضي ، وهي عملية هدفت إلى المسح الشامل للأراضي وتصنيفها وتحديد ملكياتها بدقة ، وذلك لتقنين وتحديث وتبسيط آليات نقل الملكيات في سجل الأراضي الفلسطينية ( الطابو ) .
ومن المفارقة أن سامي هداوي وواصف جوهرية ، صاحبي السجل الوطني الحافل ، أصبحا أداة غير واعية في عملية استلاب الأراضي هذه . يصف جوهرية هذه الفترة بأسلوبه المشبع بالسخرية ومتعة الحياة : المقاومة بالحيلة ، والتخريب البيروقراطي ، ونشر أجواء احتفالية وصاخبة ، خلال عمله في إحدى أهم الدوائر الحكومية . وحين انغمس زملاؤه في دائرة المالية في إدخال حسابات ملكية الأراضي وضرائبها تحت إدارة كيث - روش ، لحن واصف الطقطوقة التالية هازئا بالنظام الضرائبي :
طقطوقة الكرسنة والفول « 2 »
واللي أدهى من كل ده * ترتيب القواعد
واللّه تجنن نفضل نحسب ونقول * كرسنه وحنطه وفول
أعشار وويركو على طول * وتحصل وتترل وتدور لغاية شهر أيلول
وأدخل بالأستاذ وآتي باليومية * من حسابات عام ومفردات شخصية
وواردات وصادرات * من سابقة وحالية
وتحويل العملة المصرية * للداهية الفلسطينية
في الشطب الدكمات * وتعداد الحيوانات
من حيث وليت * واحنا صابرين
استطاع هذا النوع من الأغاني والطقاطيق أن يلقي ضوءا ساخرا على بيروقراطية الدولة وجهاز موظفيها ، وأن يرسم صورة مشعة لبروز شخصية وهوية فلسطينية في هذه الحقبة العتبية . وكانت ملامح الحقبة العريضة تتكون من الخطوط التي رسمناها أعلاه : فراغ قانوني تم ملؤه بقرارات إدارية ؛ ثقافة شعبية جديدة احتلت الشارع واحتفلت بزوال الطغيان لكنها واجهت مستقبلا غير منظور ؛ حدود سائبة لم تغلق بعد حافظت على التواصل الثقافي مع بلاد الشام ومصر . وكان العنصر الذي ربط بين هذه العوالم وحافظ على وحدة النسيج الاجتماعي الحس الطاغي بالانتماء المحلي ؛ الانتماء إلى الهوية المقدسية في فترة كانت القدس تشكل مركز البلد ذي الحدود المتغيرة ، ومرساة الأمان ضد المشاريع الاستعمارية الهادفة إلى تجزئة الوطن ، وهي مشاريع دفعت بالفلسطينيين إلى الحنين إلى الحقبة العثمانية قبل أن تجف دماء حقدهم على العهد البائد .
هامش
( 1 ) " الويركو " كانت في الأصل ضريبة حكومية تجبى من أراضي الزعامات الإقطاعية ( التيمار ) . وبعد إلغاء نظام الأراضي السباهية تحولت إلى ضريبة حكومية على الأراضي تضاف إلى الأعشار . بشأن تفصيلات الموضوع ، أنظر :Moses J . Doukhan , " Land Tenure , " in Sa , id Himadeh , ed . , Economic Organization of Palestine ( Beirut : American University of Beirut , 1938 ) , pp . 98 - 99 .( 2 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 164 .