إنه لم يزل لسر عجيب عند الإنسان ، وقد تبين لنا بأن أشخاصا معرضون أكثر من سواهم في رؤية الأحلام ، ويظهر أننا نحن عائلة جوهرية من رؤساء هذه الأشخاص . . . فإني ألفت نظر القارئ الكريم إلى رؤية والدي التي هي أشد وأبلى من أحلامي التي تظهر في هذه المذكرات .
صديقي آرتين سانتورجي عازف السانتور
تعرفت بآرتين عازف السانتور الممتاز بواسطة أخي وصديقي ( الحلاق ودكتور الأسنان ) فيما بعد المدعو هاكوب كراكوزيان من خيار أبناء طائفة الأرمن الأرثوذكس بالقدس ، وكان هاكوب يعزف الكمان وله ميل خاص في الموسيقى العربية ، وله ماض مجيد وذكريات لطيفة زمن الحرب العظمى الأولى بالقدس ، فكان مفتاح لقولاغاصي مدينة القدس ، ذلك القولاغاصي المعروف ببطشه وظلمه كما سبق وتحدثت عنه في فصل الحرب العظمى من هذا الكتاب . وإني أعترف بأن صديقي الدكتور كراكوزيان قد أفاد أبناء المدينة بواسطة دخوله بصداقة القولاغاصي ، وله فضل كبير عليهم والشهادة بين يدي اللّه .
أرجع إلى آرتين فأقول هذا الرجل كان عاملا بسيطا في البناء ، إنما كان موهوبا في فن الموسيقى ، فكان يجيد العزف على آلة السانتور حتى لقب بأمير السانتور ، وهي كانت آلة نادرة وقد صنع لي واحدة منها لم أزل أحتفظ بها ضمن المجموعة الجوهرية . إن هذه الآلة تشبه نوعا ما القانون ، ولكن أوتارها من النحاس ويعزف عليها بواسطة مطرقة ( شاكوش ) مزدوجة لكل يد واحدة ومصنوعة من قرن البقر أو الجاموس . إنها بديعة وتطرب ويخيل للمستمع إليها وكأنه بين فرقة آلات كبيرة نظرا لقوة الصوت بسبب أوتارها النحاسية ، وتعمل صدى بعكس آلة القانون المصنوعة من أوتار المصران الحنونة .
أما طريقة عزف آرتين عليها فكانت تدهش المستمع إليها ، لأنه كان يحفظ المقطوعات الصامتة الكثيرة من سماعيات ودواليب وقطع موسيقية راقصة تركية وأرمنية ثم عربية ويعزفها على السانتور بكل إتقان ، وكان هو جذابا وروحه خفيفة وكريما في العزف ، ويترجم ما ينشد له من العربية في الحال بصورة مدهشة حتى ارتفع اسمه ومكانته ، فكانت أغلب سهرات أبناء المدينة يحضرونه في حفلاتهم ، ولي معه ذكريات كثيرة فأرافقه على عودي بين المعارف والأصدقاء . والجدير بالذكر أننا كنا نضع فوطة من القماش ونحجب جميع الأوتار المقامة على السانتور فيجيء آرتين ويعزف لك ما أردت ، فيضرب بالشاكوش المنوه عنها أعلاه من على الفوطة ويسمعك تقاسيم وقطع موسيقية بدون أن ينظر الوتر بصورة عجيبة .
وقد ازدادت صداقتي مع آرتين ، فكان يشتغل في بيتي المعروف في النيكوفورية وفيه المجموعة الجوهرية ، وكان عندما أخذته من البطريركية الأرثوذكسية خرابا فكان آرتين يبلط الغرف ويصلح ما أطلبه منه داخل الغرف ثم القصارة والطراشة بإتقان ، وبعدما ينهي عمله الشاق يجلس حول مائدة المشروب والمازة ونتبادل العزف على السانتور والعود إلى منتصف الليل . . .
وهكذا . وإني ألفت نظر القارئ أنه عند رغبة العازف بتغيير المقام ، فالطريقة هي عكس النمط السائد عند العرب في العزف على القانون ، هو تقديم أو تأخير القطعة الخشبية المستديرة والمقامة تحت كل وتر ، المؤلف من ثلاثة أوتار نحاسية . . . وهكذا .