إلى الموسيقى العربية ويتذوقها ويقدرها حق قدرها ، وذلك مع المستر ستيورت مفتش المعارف الفنان والرسام المشهور - آنذاك - ولي معه ذكريات سأدون بعضها في الأعداد القادمة .
كانت تضم هذه الحفلات نخبة من أصدقائي المحببين إلى بوجه خاص ؛ أمثال أخي وصديقي الأستاذ أحمد سامح الخالدي مدير الكلية العربية ، والأستاذ حبيب الخوري ، وشريف النشاشيبي . . . وغيرهم من أبناء بلدي الكرام ، وكان كل منا في هذه الحفلات يثني ويفخر بوجود فاكهة الفكاهة النادر الوجود الأخ الأستاذ طلعت السيفي ، فإذا ما انتهت قطعة موسيقية أو توشيح أو قصيدة ، تجد جميع الحضور وقد أغمي عليهم من الضحك لما يمثله طلعت بصورة يعجز القلم عن وصفها ، فهو ولا شك مفهم وموهوب ولا يستطيع أحد أن يجاريه بخفة روحه وحلاوة نكاته . وهكذا خلف هذا البيت الجميل ذكريات لكل منا ذكريات نذكرها بكل سرور لغاية يومنا هذا .
صديقي المستر ستيورت مفتش المعارف
كان المستر ستيورت مفتشا في المعارف ويختص بالفنون الجميلة على اختلاف أنواعها . كان هذا الرجل رساما وفنانا مشهورا وملامح وجهه وتصرفاته ، بل حياته ، تدل على ذلك . كان يسكن دارا فسيحة الأرجاء من العمارات القديمة العربية في حي النمامرة - البقعة التحتا ، وكانت تضم هذه الدار الأشياء الفنية الشرقية التي كان ينتخبها قطعة قطعه المستر ستيورت من مختلف الأقطار العربية ، ومنها الشيء الكثير ، خاصة من السودان ومصر ، وتلك الأقطار ، وإني لم أزل أذكر غرفة النوم السراير والخزائن والستائر المصنوعة كلها من صنع يد من الخشب القديم المحفور بغاية الرقة ، ثم ما كان يسد على هذه الأدوات الخشبية من ستائر قماشية فارسية قديمة الصنع في منتهى الرقة والذوق السليم .
وقد شاهدت بأم عيني كثيرا من التابلوهات « 1 » مناظر رسم يدوية بالفحم والزيت في غاية الروعة ، وقد قدم منها بعض الأصدقاء للذكرى لم تزل معلقة على جدران بيوتهم من أبناء القدس . كان المستر ستيورت يزورني وأصدقاء ويرتاح كثيرا لمشاهدة المجموعة الجوهرية وما فيها من نفائس وتحف أثرية شرقية وعربية تروق له بالنسبة إلى فنه الممتاز ، وكان يميل كثيرا إلى فن الموسيقى العربي ، وهكذا أكثر من زياراته وصداقته معي وعرفني بأشخاص ذوي قيمة كبيرة ، ولهم خبرة في هذا الفن من معارفه وأصدقائه ، وكان يدعوني إلى بيته لعرض ما أعرفه من عزف وغناء على العود والرباب والخبيوش والنشأت كار والطنبورة وغيرها ، ويبحث معي بكل شغف خصوصا على أصول الموسيقى العربية وأسرارها ، والفرق الشاسع ما بينها وبين الموسيقى الغربية من حيث السلم والمقامات وما تحتويه من أرباع وألحان وإيقاع ينقص الغربيين ، وفي كثير من الأحيان كنت أرافقه إلى تل أبيب ، وهناك في زوايا تل أبيب وأرجاء تحت الأرض كنا نعزف العود ، وخصوصا المعزوفات الراقصة لحسناوات الفنانين من اليهود الذين كانوا يتدربون على علم الرقص والدبكة العربية تحت قيادة سيدة معروفة يهودية تدعى ( . . . . . ) ، « 2 » ونرجع القدس عند الفجر . وكان المستر ستيورت هو الشخص الذي عرفني وقدمني إلى الدكتور المشهور في الموسيقى الشرقية المعروف بالدكتور لخمان الذي سيجيء التكلم عنه مفصلا في هذا الكتاب ، ثم
هامش
( 1 ) التابلوهات : الرسومات .
( 2 ) ناقص في الأصل .