تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 16

مساهمون:

صمقدمة ١٦
( الدرابزين ) ، ويشاهد المدينة المقدسة من الداخل وخارج السور . اشتغلت كاتبا في هذه الجمعية تحت رئاسة المستر آشبي ، واطلعت على كثير من روعة وآثار المدينة المقدسة والحرم الشريف ، والجدير بالذكر أن جورج الشبر المهندس المعماري الذائع الصيت الذي أصبح زمن الانتداب البريطاني من أغنياء القدس المعروفين ، كان يشتغل موظفا فنيا بصحبة المستر ريتشموند في إدارة إصلاحات الحرم الشريف ، وإني أحتفظ بصورة تاريخية وهو - أي جورج الشبر - معنا بارزا كموظف لحكومة فلسطين . لم أستطع البقاء كموظف تحت رئاسة المستر آشبي لكثرة أشغاله ، وهكذا عندما كنت على جانب من الحظ في ليلة من ليالي الشتاء ، دخلت قلم التحريرات ال
( Registry )
فاستقبلني الزملاء كالعادة بالمرح والضحك ، وأخذ الحظ مني مأخذا فصعدت أمشي على طاولات المكتب ، وإذ دخل فجأة المستر آشبي يبحلق بنظره علي . . . أمّا أنا فقد بادمرته بأعلى صوتي هلو هلو بالمستر آشبي . . . وهات يا ضحك من الزملاء ، فدخل توا إلى مكتبه غاضبا وكتب رابورا بحقي ، وكانت القاضية ، وباختصار نقلت إلى قلم الترجمة ، وتخلصت من غلبته التي كانت لا تطاق ، وشكرت الباري على النتيجة . كانت وظيفتي - والحق يقال - تحت رئاسة المستر آشبي إفادة كبرى ، ما زادت معلوماتي بالآثار النادرة والأبنية التاريخية بالقدس التي جعلتني ولوعا باقتناء التحف . « 1 » يصر واصف في مذكراته على أن فصل آشبي له عن العمل لم يخفف إعجابه به وبعمله . وفي هذا التعليق يميز صاحب المذكرات بين حكمه على الكولونيل ستورز ( " المستشرق الاستعماري المحنك " ) وبين تشارلز آشبي ، الفنان والمهندس والمخطط . تساعدنا المذكرات الجوهرية على قراءة جديدة للتاريخ الانتدابي للمدينة ، لا لأنه كان شاهد عيان على أحداث هذه الحقبة الحاسمة فحسب ، بل أيضا لأن روايته تقوض الافتراض الشائع عن تزمين مصطنع يجعل نهاية الحرب العظمى الحد الفاصل بين عصر التخلف وعصر الحداثة في فلسطين . والتمييز الأكثر ملاءمة هنا يميز حداثة فلسطين في ثلاث حقب متقاربة ومتسارعة : انهيار الحداثة العثمانية نتيجة قساوة الحرب وما رافقها من ويلات اجتماعية ؛ فترة الحكم العسكري العتبية ( 1917 - 1920 ) ، وهي فترة " الفوضى الإيجابية " ؛ تبلور سياسة الانتداب المتمحورة حول بناء الدولة الكولونيالية وتنفيذ بنود وعد بلفور .

أهازيج المجاعة

كانت الأعوام الثلاثة السابقة لسقوط القدس من أحلك وأقسى الحقب التي مرت المدينة بها ، إذ تضافرت قسوة الطبيعة مع الحرب والمجاعة على أهل المدينة . ففي سنة 1915 بدأ الأسطول البريطاني ضرب مدن الساحل الفلسطيني ، وتم تهجير قسم كبير من الناس إلى القرى والمدن الداخلية ، بما فيها القدس . « 2 » ورافق ذلك بداية التعبئة في الجيش العثماني ، وإرسال أبناء فلسطين إلى الجبهة الأمامية حيث هلك الآلاف منهم ، وقمع الحركة الوطنية ، والتنكيل بأتباع التيار اللامركزي من العرب والأقليات الأخرى . ثم بدأت المجاعة في لبنان ، وانتقلت منه إلى مدن سورية وفلسطين . لم تكن المجاعة نتيجة القحط ، وإنما جاءت بعد أن بدأ الجيش الرابع ، بقيادة جمال باشا ، مصادرة القمح والحنطة لمصلحة الجيش في ربيع سنة 1916 . لدينا وصف لشاهد عيان من القدس ، هو الدكتور عزت طنوس ، الذي كان طالبا في كلية الطب ثم تجند في الجيش العثماني في بيروت ، على تأثير المجاعة في الحياة اليومية . يقول : " كنت أمر يوميا انطلاقا من الثكنة العسكرية في رأس بيروت إلى ساحة البرج في مركز البرج فوق باب الخليل
هامش
( 1 ) " المخطوطة الجوهرية " ؛ مصدر سبق ذكره ، ص 49 . ( 2 ) مناع ، مصدر سبق ذكره ، ص 259 .