تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 15

مساهمون:

صمقدمة ١٥
كانت معضلة آشبي الرئيسية التوفيق بين رؤيته الرومانسية لمستقبل المدينة وبين توجهاته الترميمية المحافظة . وقد عالج هذا التناقض ، بحسب المؤرخ إنبال غيتلر ، عن طريق تقسيم المدينة إلى منطقتي تخطيط متميزتين : الأولى كانت منطقة البلدة القديمة داخل الأسوار ، التي رأى فيها من منطلق علماني " معلما تاريخيا مخصصا للمحافظة الأثرية " ، وكأنه متحف ضخم . والثانية البلدة الحديثة في شمال المدينة وغربها ، التي تم تطويعها للنمو والتنمية الحديثة . « 1 » وصل آشبي بين هاتين المنطقتين بشبكة من الحدائق والجنائن في محاذاة أسوار المدينة وحولها ، مستخدما مفهوم " الحديقة الإنكليزية العامة " والكيوسكات التركية . وكان الهدف من هذا الوصل الحفاظ على تواصل المدينة مع تخومها الريفية والزراعية . وكي يحقق ذلك لجأ إلى " تكثيف زراعة النباتات الأليفة لهذه المنطقة ، وأبقى على الحدائق العامة في حالتها الطبيعية من ناحية ، وأحيى نباتات وأشجارا زالت من الوجود ، من ناحية أخرى . " « 2 » في الحصيلة كان التخطيط المدني للقدس عند آشبي مزيجا من التناقضات حاول من خلالها أن يجمع بين رؤية استشراقية للمدينة المقدسة وبين إحياء عملي لحرف المدينة وصناعاتها التي دمرها الاستيراد . وشاء القدر أن يدخل على هذا المشهد واصف جوهرية . كان واصف يعمل خلال الفترة نفسها في الجهاز البيروقراطي للحكم العسكري في قسم التحريرات . ولفت عزفه على العود انتباه الحاكم الكولونيل ستورز ، الذي كان بدأ إلمامه بالموسيقى الشرقية خلال إقامته بالقاهرة . فبادر ستورز إلى تكليف واصف العمل كمساعد لتشارلز آشبي في بداية إنشاء مجلس إدارة " جمعية محبّي القدس " . أشار واصف ، بحكم منصبه الجديد كمساعد لآشبي ، إلى أول مواجهة حدثت بين مجلس بلدية القدس و " جمعية محبّي القدس " بشأن تخطيط المدينة الحديث . ففي سنة 1901 كانت السلطة العثمانية أمرت ببناء برج الساعة الشهير داخل ساحة باب الخليل في المدخل الغربي للمدينة ، خلال رئاسة فيضي أفندي العلمي لمجلس البلدية ، وذلك احتفالا باليوبيل الخامس والعشرين لاعتلاء السلطان عبد الحميد العرش ( راجع أعلاه ) . وقد وضع تصميم هذا البناء وأشرف على هندسته المرحوم باسكال أفندي سروفيم ، مهندس البلدية حينذاك . « 3 » وحين استلم آشبي أعمال الجمعية اتخذ قرارا بإزالة النصب وتدميره لأنه ، وفق رواية واصف ، " كان يتعارض مع رؤياه للطابع التاريخي لسور المدينة . " وفعلا ، تمت إزالة النصب ذات مساء على الرغم من معارضة المجلس البلدي . أمّا واصف فيخبرنا أنه كان يتفق جماليا مع قرار آشبي . " كان برج الساعة نصبا مهجنا من عدة أنماط معمارية ذكرني بموسيقى عبد الوهاب عندما كان يلحن بالطريقة الفرانكو - أراب . بالرغم من ذلك كنت أعتقد أنه كان الواجب أن ينقل البرج إلى موقع آخر [ بدلا من تدميره ] ، ربما إلى مبنى البلدية الجديد بمحاذاة بنك باركلس . " « 4 » وبعد أعوام أوصى واصف بتصميم نموذج خشبي لبرج الساعة العثماني مع ساحته ، وذلك كي يتسنى للأجيال اللاحقة أن تأخذ فكرة عما كانت عليه إحدى ساحات القدس العثمانية قبل أن تغير سلطات الانتداب البريطاني معالمها ، ووضعه في متحفه الخاص في بيت النيكوفورية . « 5 » أمضى واصف عدة أشهر بصحبة آشبي وريتشموند في أعمال الترميمات الميدانية في منطقة الحرم الشريف ، وفي إصلاح سور المدينة . وعن هذه الجولات الميدانية يخبرنا التالي : وقد دأب المستر ريتشموند على الإشراف على مسجد الحرم الشريف الأقصى والصخرة المشرفة ، وأشرف المستر آشبي " المعماري الشهير " بصفته المستشار الفني كما كانوا يلقبونه آنذاك
( CivicAdvisor )
على المحافظة على سور المدينة ، فقد رمم سور المدينة بصورة مرضية ، وأقام قضيبا حديديا على الطرقات المخصصة على حافة السور من الداخل ، وبهذا العمل استطاع السائح أن يمشي على أقدامه بسهولة ، مستعينا بهذا
هامش
( 1 )Gitler , op . cit . , pp . 45 - 46 .( 2 )Ibid . , p . 41 .( 3 ) واصف جوهرية ، " مخطوطة المجلد الثاني من المذكرات الجوهرية " ، وسنشير إليها من هنا فصاعدا ب " المخطوطة الجوهرية " ، ص 262 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 49 . ( 5 ) المصدر نفسه ، ص 50 . بعد 30 عاما من هذه الحادثة زار البروفسور ما يزل ، عالم الآثار ، منزل واصف جوهرية وكتب بإعجاب عن هذا النموذج الذي حافظ عليه واصف في المجموعة الجوهرية . ظهرت المقالة في :Palestine Post , 10 August 1945 .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 15 | واصف جوهرية