صادف أنني حصلت على مأذونية لمدة ثلاثين يوما ، وقد قررنا مع إخواني خليل وفخري وتوفيق أن نقضي الصيف في الدهيشة الواقعة على طريق الخليل بحذاء بيت لحم ، واستأجرنا طابقا أولا من أيلين روك شاهين مقابل بيت حنا أفندي ميلادة ، وكان بيتا جميلا ومشهورا في تلك المنطقة ، وقضينا الصيف جميعنا بهناء وسعادة وسرور ، فكانت السهرات فيه إلى منتصف الليل يزورنا الأصدقاء والأطباء من القدس ونحن وكأننا فرقة موسيقية ؛ أنا أعزف وأغني على عودي ، ويرافقني توفيق على نايه المشهور ، وكذلك فخري على القانون . . . فسقيا لتلك الأيام !
وقد صادف أن العم إلياس القزاز المعروف بالعم أبو ميخائيل ، وكان رجلا - رحمه اللّه - طيب القلب كريم النفس ، وكان - رحمه اللّه - يحبني حبا عظيما ، فقد قضيت زمن الحرب العظمى الأولى معه وعائلته في أريحا عندما كان اسمه أشهر من نار على علم آنذاك ، وقف العم أبو ميخائيل وقال بصوته المرتفع حسب عادته " اللّه يصبحكم بالخير " . . . وبعدها سأل يعقوب الذي كان في أول مقعد من الغرفة ، وطبعا معروف لديه ومن أبناء طائفته سأله " أين واصف يا يعقوب ؟ . . أجاب يعقوب : إنه في الدهيشة ! !
وعندما لاحظ يعقوب بأن العم أبو ميخائيل انفعل واختلف لونه لسماعه الدهيشة ، حبكت النكتة فأضاف جادا : نعم لم تسمع عنه يا عم أبا ميخائيل واللّه في الدهيشة ! !
فشهق العم أبو ميخائيل وقال لا حول ولا قوة إلا باللّه . . . مسكين واصف . . . شو صار له . . . إذا عرفت أم ميخائيل فإنها ولا شك تموت عليه ، وبدأ يصفق بيديه ويقول مسكين ، وهكذا ترك الدائرة ولا خفي عن ما يعرف القزاز ، فهو أشبه بأبي عيد الدلال ، فكان بعد طلوعه من الدائرة مباشرة يوقف كل من صادفه من معارفه على الطريق ، ويشيع خبر أن واصف جوهرية في الدهيشة .
لا بد لي قبل الانتهاء من القصة بأن أعرف القارئ بأن مستشفى المجاذيب المشهور في فلسطين كان ولم يزل من القديم مقاما في محلة الدهيشة ومعروفا لدى الأهالي بمستشفى الدهيشة .
وهكذا شيع هذا الخبر بسرعة فائقة بواسطة العم أبو ميخائيل بين أبناء الطائفة الأرثوذكسية في حارة النصارى ، بل بين جميع المعارف والأصدقاء ، وأكثرهم علم به وتأسف على واصف وجنونه . . . وفي ذات يوم من أيام مأذونيتي هذه ، وكنت زرت القدس مع أخي توفيق ، إذ تبين لي لدى محادثتي مع بعض معارفي بأنهم ينظرون إلي نظرة غريبة ، حتى أحد محصلي الأموال الأخ بكر عوض تجاسر وقال لي تفصيلا ما سمعه ، وأن أساس الإشاعة الملعونة من صديقي يعقوب . . .
وقد ضحك وحمد اللّه وشكره على صحتي من الجنون . وذهب الأخ بكر فوقفت وأخي توفيق مدهوشين ، وفكرنا جليا بطريقة أخذ الثأر من يعقوب وابتدأنا بهذا العمل الفريد .
الأخذ بالثأر من يعقوب
دخلت دكان صديقنا فائز العلمي ، كانت - آنذاك - ملاصقة لبوابة الخليل من داخل السور ، وتلفت طالبا دائرة حاكم لواء القدس قسم المالية ، فأجاب التلفون بواسطة أحد زملائنا المدعو توفيق الصوابيني الذي لم يميز صوتي على التلفون فقلت :