تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
نخدم الإنكليز في الوظيفة ، وليس مطلوبا منا أن نشخخهم كمان ! ! " . وعلى كل حال ستر اللّه الذي كان البستاني وليس المفتش هرس اللّه يهرسك هرس عن قريب إن شاء اللّه . .

زكريات بيت جالا

بعد الاحتلال البريطاني للقدس ، كان أكثر الشعب يصرف القسم الأكبر من حياته في اللهو والطرب بعدما قضى مدة لا تقل عن الأربع سنين ذاق فيها ألوان العذاب والفقر والمرض والظلم وهي المدة السوداء للحرب العالمية الكبرى بلا رجعة . . . خصوصا مظالم السفاح جمال باشا التركي . ولما كانت الوالدة لم تزل على قيد الحياة ومسرورة جدا لرجوع أولادها من خدمة الجيش العثماني سالمين - والحمد للّه - كنت أرغب إدخال السرور والسعادة عليها في مناسبات عديدة ، وقد أخذتها مرة في العربة لزيارة الأخت شفيقة التي كانت وعائلتها تسكن في بيت جالا ، والظريف في الأمر أنني عندما وصلت الواد الواقع بين قبة راحيل وجبل بيت جالا ، وقفت العربة هناك لراحة الخيل . . . وهكذا نزل جميع من كان فيها من ركاب ، وقد سلمت عودي إلى سيادة الوالدة وكانت - رحمها اللّه - تلبس الإيزار الأبيض وتركتها وشأنها . . . وقد سبقت سيرها بضعة أميال وأنا لم أتمالك من القهقهة والضحك عندما كنت أسمع صوتها تقول : ولك واصف . . اللّه يبهد لك شو بيقولوا الناس عني وحاملة ها لعود ؟ . . ابصر مين ها لجنكية مع واصف ! ! ! وأنا لم أجبها بأي كلمة ، وكان أهل بيت جالا في ذلك الزمن رجعيين بصورة مشهورة في البلاد ، وكانوا يداعبونها ليس لشيء سوى التفرج على آلة العود التي أقسم أن الكثيرين منهم لا يعرفونها بعد . بقينا على هذا الحال إلى أن وصلنا بيت الأخت شفيقة وكانت بجوار عمارة المسكوبية ، وهات يا ضحك عندما دخلنا والوالدة المسكينة حاملة العود ! ! على كل حال ، كانت ليلة من ليالي العمر حتى أصبح بيت الأخت شفيقة وكأنه مسرح يزوره الجيران والمعارف حتى الغرباء ، ومنهم من أحضر سلم شجر الزيتون من خارج البيت ، وكان يشاهد ويستمع إلى السهرة من غرف البيت . . . فتصور . ! وعلى ذكر بيت جالا أقول إن زيارتي هذه قد جعلت لي من أهلها أصدقاء ، فكنت أقضي الشطحات اللذيذة تحت ظل أشجار مشمش بيت جالا الممتاز في الغناء والحظ مع داود مطر ، وبشارة ثلجة ، وعائلة إسكندر وحنا اللحام من جبل لبنان ، وخصوصا الشاعر جمعة الشاعر المعروف . . . فسقيا لتلك الأيام ! وكنا ننتقل من محل إلى آخر في تلك المنطقة مثل بير عودة ، وعين العصافير ، وكريمزان ، ولكل من هذه المواقع جلسات خاصة ذهبت مع الأيام . توسع نطاق الصداقة فيما بعد مع عدد كبير من أهالي بيت جالا بحكم فن الموسيقى ، ومن ثم وظيفتي كمدير مال وتخمين أملاك أصحاب الأملاك منها أمثال ميخائيل مخلوف ، وسابا الأعرج ، وصليبا رمان ، وإسكندر بدر وغيرهم الكثيرون ، فكنا نقضي عندهم وفي بساتينهم فصل فاكهة المشمش أوقاتا طيبة نزورهم وعائلاتهم ويزورونا في القدس بدون كلفة ، وقد قضيت وعائلتي فصل الصيف هناك كنا فيها بينهم كأهل وأصدقاء .