والأنكى من هذا كله عندما كنا نمثل لعبة السيف والترس ويهجم منا الواحد على الآخر يجيء دور شخص ثالث أيضا من الزملاء ينفسخ بيننا خوفا من أحد منا يمس أخاه بسوء ، وهناك الضحك وكانت هذه التمثيلية تردد ما بين موظفي دوائر الحكومة بالقدس ، وكلهم يذكرون واصف ويعقوب بمنتهى السرور ، وكانت ذكريات لطيفه ذهبت مع الريح .
شطحة نهر جريشة
في عيد دابيتا للروس كانت الاحتفالات تجري على نهر جريشة في يافا ، وقد عزم زملاؤنا في دائرة المالية على قضاء يوم منشود هناك ، فأخذنا كل المعدات من مأكل ومشرب وعلى رأسها العود ، فنقلتنا السيارات إلى جريشة من الصباح ، وكنا عددا لا يستهان به : محمد عارف القسطنطيني ، وإبراهيم فيضي العلمي ، وسليمان يونس ، وسليمان الوعري ، وعشور محمد عشور ، وسابا الشماع ، وفؤاد نسيبة ، وعبد الرحمن الأنصاري ، وحسن صدقي الدجاني ، وفخري بك عاصم ، وحسين عويضة ، وصبحي عويضة ، وأندريا قسيس ، وموسى ماني ، وغيرهم ، وبالطبع صاحب هذا الكتاب وعوده القديم ، ويعقوب برامكي . وقد تجلى معنا الحظ وأصبح كل منا على جانب عظيم من الحظ والفرفشة من شدة إقبالنا على مشروب العرق إلى قرب الغروب ، وقد صادف أن أحد أملاك تلك المنطقة وفلاحيها بمناسبة معرفة محمد عارف القسطنطيني مدير المال - آنذاك - قد وعدنا لشرب القهوة العربية في محلة على شاطئ النهر .
وبالطبع لبينا الدعوة ، وعند تقديم القهوة كانت عيوننا وكلها على يعقوب برامكي لمعرفتنا بمزاجه ورفضه كل ما يقدم له خارج بيته باعتباره قذرا وحاويا على ميكروبات . . . فقد خجل يعقوب وتناول فنجان القهوة العربي مضطرا خوفا من شتائمي المشهورة ومن الوزن الثقيل أمام صاحب الدعوة ورجاله ، وبدأ يشرب وهو في حالة فظيعة من الفزع والخوف إلى أن أكمل الفنجان وناوله إلى الرجل شاكرا .
ولكن أين يعقوب أن يهدأ بعد هذه العملة الجنونية ، وكنت أنا أترقب حركاته أكثر من الغير إلى أن قام من على كرسيه وذهب ليطيرمية ، « 1 » فوقف على حافة بعيدا عنا ، وإذ هو أخرج من جيبه الخلفي قنينة صغيرة وفيها ( السبلومي . . ) المطهر وبدأ يدلك شفتيه تدليكا محكما ليزيل عنهما ما طلاه من الميكروبات ! ! ولكن كنت أنا - كما قلت - له بالمرصاد ، وبدأت أصيح عمي أبو أحمد . . شفته . . يعقوب ، فقد فتح القنينة ودلك شفتيه ، وهكذا ذهبت توا إليه وتشاجرنا إلى أن أخذت منه ذلك المطهر اللعين ورميته في النهر وهو يقول لي همسا واصف باللّه عليك استر علي . . مسكين حقيقة أنه مسكين ، ووهمه الشديد كان قتالا بالفعل ، ولكن ما بيده حيلة ، فهذا من أنواع الأمراض ليس إلا . .
واصف في الدهيشة
إني أذكر هذا الحادث الظريف الذي حدث مع يعقوب - حدث عفوا - ولكن أصبح قصة يعرفها جميع الأصدقاء والعائلة ويذكرونها بالضحك والسرور :
هامش
( 1 ) يطير مية : يتبول في الخلاء .