يعقوب برامكي
كان أخي وصديقي يعقوب ذا أخلاق حميدة ، كريم النفس ، طيب القلب ، مخلصا لأصدقائه مستقيما في حياته لا يتدخل في شؤون غيره محبا لعائلته ، وكانت له مزايا خاصة نادرة بالنسبة لزملائه ، وعليه كان هدف الجميع بما هو عليه من نظافة وأنفة ووسواس . فمثلا ، كان يخاف أن يتناول أي شيء خارج بيته بداعي أنه يحتوي على ميكروبات . . . فإذا ما جلسنا حول مائدة المشروب يستعمل ( عود الكبريت ) ويلتقط قطعة الجبن أو غيرها بدلا من الشوكة التي يشك في نظافتها .
في الصباح الباكر يحضر إلى الدائرة ويباشر في تنظيف الطاولة التي يجلس عليها لإيفاء وظيفته ويمسح الأقلام بكل ما أوتي من قوة بواسطة العقاقير المطهرة مثل الكحول البيضاء والبرمنكنات وغيرها ، ولا يتناول شيئا من الطعام لأن يديه تكون حسب اعتقاده وسخة ، بل يبقى حتى يرجع البيت في المساء وهناك النظافة قبل الشروع في الأكل ، الأمر الذي أزعج شريكة حياته كما هو معروف لدى الأقارب والأصدقاء ، وله مواقف مضحكة جدا في هذا المضمار سامحه اللّه ووفاه .
والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه كان يستعمل ورق الجرائد على جسمه من تحت الفنيلة خوفا من أخذه الهواء محافظة على رئتيه . . . ولما كان أثناء الانتداب البريطاني محذورا علينا نحن معشر الموظفين التكلم في السياسة في الدائرة ، فقد نصحته مرة على عدم استعمال الجرائد خوفا من طباعة ما هو عليها من مقال سياسي على جسمه ، الأمر الذي يضر بمصلحته الخاصة ، وهو ذو عائلة كبيرة ليس لهم من يعولهم إلا اللّه وهو . . . وهكذا أخذ بنصيحتي وتوقف عن استعمال الجريدة ، بل أخذ بشراء الورق الناصع الأبيض من المكاتب واستعمله على جسمه ليتجنب السياسة . . . فهذه صورة صغيرة تعرف القارئ بطيبة قلب أخينا يعقوب برامكي ، وهو مثال من أمثلة كثيرة .
كان يعقوب يتحمل المزاح ويتفهم النكتة ويقدرها ، وكانت له مواقف ساذجة أحيانا ، ما يجعلني أن أنرفز من تصرفاته هذه ، فأبادره بالشتائم من الوزن الثقيل بحضور كل من الموظفين والمكلفين في الدائرة . . فيأخذها ببسامة وابتسامة ولم يغضب أبدا ، حتى أنني أذكر أنني قلت له مرة ( واللّه يا يعقوب أود أن أسافر لمصر لأحصل على كتالوج شتائم حديثة لأصبها عليك في المناسبة ، لأنني أعتقد أن كل ما معي من هذه الشتائم لا يفي بما تتطلبه ) ، وأيضا تجده يضحك ولا يبالي مع العلم بأنه كان لا يسكت لأي زميل آخر ، وإني أذكر أن الأخ عشور عشور حاول أن يغازله بمثل هذه الأساليب ، ولكن سرعان ما لم يرض يعقوب على الهوان . . . بل غضب وكال له الصاع بصاعين ، وصمم من كل قلبه بأن يشكوه للمحاكم . . . وعندما أجابه عشور بأنك لا ترد على واصف وهو يشتمك في الساعات والدقائق ، أجاب ( يا شيخ . . . باللّه عليك ، هذا واصف وليس أحدا سواه . . آه وأضاف قائلا " واصف معه فرمان ! " .
يعقوب ومحصل الأموال حسام الشرفا
كان يعقوب أعلى مني بدرجة في الوظيفة عندما كنت في دائرة المالية ، وقد صادف نهار خميس الغسل ذلك اليوم المشهور بالقدس جميع الطوائف المسيحية ، والسياح القادمين لزيارة الأماكن المقدسة مجموعة في جوار كنيسة القيامة ، ثم رجوع موكب الاحتفال بموسم النبي موسى إلى القدس ، وما يحتوي هذا الاحتفال من مسلمين ، كنت في الدائرة مع عدد قليل جدا