. . . فعندما وقف محمد حسن وكان من وجوه الأهالي المحترمين بينهم راخي لحيته إذا قفز الشاويش الكردي بمهارة فائقة وركب على كتفيه وبدأ يضربه بالكرباج قائلا ولان ديوس مصاري . . وبعدما عرف هذا المبلغ المطلوب ذهب وعلى كتفيه راكبا الكردي من المضافة في أزقة القرية إلى أن وصلا إلى بيته وهناك وهو على هذا الحال المخزي بين زوجته وأولاده طلب من زوجته أن تخرج صرة النقود من تحت الخابية فأخذها وحلها وأخرج منها المبلغ وسلمه في الحال إلى الشاويش الكردي من فوقه وبعدما استلم الشاويش المبلغ بكامله نزل عن كتفيه وهو يكيل له الشتائم التركية من الوزن الثقيل ، ورجع إلى المضافة .
ثم نادى كاتب المالية عن اسم آخر مثلا حسن موسى مطلوب منه ثمانية وأربعين قرشا فما كان من هذا الشاويش إلى أن جر المكلف بواسطة الجندرمة وربطه من ( بيضه . . ) بحبل دقيق وسحبه على مرأى من أهالي القرية في الأزقة إلى أن وصل به إلى بيته وهو على هذا الحال المخزي المفزع ، وبعدما استلم المبلغ منه عدا ونقدا بحضور عائلته أحل الحبل . وقال ما تيسر له من الشتائم أيضا - من الوزن الثقيل ورجع توا إلى المضافة لكي يتفنن في كيفية تحصيل الضرائب .
وبواسطة هذه التمثيلية البشعة قد أرسلت أهل القرية رسولا في الحال إلى القرى المجاورة تنبئها بفظائع ذلك الشاويش الكردي وتنصح الأهلين بتحضير المبالغ على الفور . . . وهكذا كان . فعندما ينادي كاتب المالية على اسم المكلف في المضافة تجد ذلك المكلف واقفا بكل يقظة وفي يده النقود الكثيرة فيدفع منها في الحال إلى الشاويش داخل المضافة خوفا من ركوبه . . . . أو ربط . . . في الحبل إلى أن حصلت الحكومة جميع المتراكم من بقايا الضرائب في مدة وجيزة من جميع قرى بني زيد ، ورجع رجالها إلى القدس يضحكون من نشوة النصر .
هذه صورة وجيزة عن مدى ظلم واستبداد حكومة بني عثمان الاستعمارية التي حكمت البلاد أكثر من أربعة قرون ، حكمتها بالحديد والنار إلى أن جاءت آخرتها وتحقق فيها قول من قال :
دار الظالمين خراب * ولو حين بعد حين
عائلة المرحوم يعقوب سعيد بالقدس
إن لمن دواعي فخري أن أذكر أن لي معارف كثيرة لا تحصى من العائلات من مختلف الطبقات والأجناس والطوائف ، وقد ساعد على ذلك : أولا شغفي بالفن - فن الموسيقى الرفيع - وحبي له وحب الكثيرين منهم لاستماعه ، وتفانينا بالارتواء من منهله العذب ، وثانيا عملي بوظيفتي في حكومة الانتداب ؛ ذلك العمل الذي يقضي أن أدخل بيوت العائلات وأحتك بهم ، غير أن زيارتي لتلك العائلات يسرني أن أقول إنها تعدت المرة الواحدة التي تفرضها الوظيفة .
ومن العائلات التي أصطفيتها وارتحت إلى الإكثار من زيارتها والاجتماع بها عائلة المرحوم يعقوب سعيد الكريمة بالقدس ، فتراني - واللّه يشهد - أجل السيدة الوالدة أم جورج كوالدتي ، وقد بادلتني هذا الوفاء ، فكانت تقول أن لها خمسة أولاد وواصف سادسهم . . . وكنت لم أزل أعتبر الآنسات كشقيقاتي والأخوان كإخواني . وإن زواج الأخت شفيقة من