ابن عمتهم جورج أدرنلي وزواج الأخت جوليا من ابن خالتهم طناس سنونو هو دليل واضح على ما كان أيضا من عظم المودة العائلية منذ القدم بين المرحومين جرجس جوهرية ، ويعقوب سعيد ، وبهذا فقد صدق من قال " محبة الآباء تتصل بالأبناء . . . " .
أخلاق عالية . . . نفوس أبية . . . وخصال حميدة لدى جميع أفراد هذه الأسرة ، فالكل على جانب عظيم من الأدب والثقافة ، ولذلك مجلسهم لا يمل ، فإذا قيلت نكتة قدرها الجميع حق قدرها ، وإذا أنشدت أغنية أقبل الجميع عليها وتذوقوها معنى ومغنى ، ذلك مما يدل على سلامة الذوق وتقدير الفن .
كنت أزورها منذ عزوبتي ولم أزل أحتفظ بدعوات الأخ سابا لإحياء حفلات عيد مولده السعيد من كل سنة عندما كان سابا في أوج علاه . . . وكنت بالطبع أصطحب عودي ضمن " ثنورة المرحومة الوالدة . . " أي بيت العود . وإني لم أزل أذكر شطحة قالونية بمناسبة خطوبة الأخت فيكتوريا من الآغا باسكال بن الخوري سوتيري حنانيا ، وعلى الأخص عند رجوعنا القدس في مساء ذلك اليوم ، وأنا أنشد قصيدة " يا راهب الدير بالإنجيل خبرني عن البدور اللواتي عندكم نزلو . . " الخ . بأعلى صوتي ، ومن على سيارة الخيل الحنطور في شوارع يافا المكتظ بالبشر لما كنا عليه من حظ وطرب ، ومعنا عائلات حنانيا وديب وسلامة وغيرهم . . . فسقيا لتلك الأيام ! ومثل هذه المجالس كانت كثيرة في رأس بيت جالا ودير الخضر وغيرها .
ولحسن الحظ تواصلت هذه المودة والزيارات لبعضنا البعض ، وذلك بعد زواجي لما كان للإخوان سعيد من معرفة وصداقة مع فيكتوريا زوجتي زمن الدراسة في مدرسة مار ديمتري للأثاث بالقدس . قضينا أوقاتا جميلة وحفلات بديعة في بيتهم حي المصرارة مما يعجز القلم عن وصفها . ثم زيارات رسمية بمناسبة أعياد أفراد هذه العائلة ، وهي - والحمد للّه - أعياد كثيرة في بحر السنة كنا نبدأ بعيد القديس جيورجيوس ، فسابا خصوصا يوم كان بوظيفة مدعي العام بالقدس ، فحنا ، فصليبا . . . وننتهي بعيد التجلي عندما كنت أشارك الأخت جوليا صاحبة العيد بالحسرة على انتهاء الصيف . . . فكان بيتهم يدعى - آنذاك ببيت - الأمة .
وإني لا أبالغ إذا قلت إننا كنا في الحفلات الخاصة مرة أو مرتين في كثير من الأوقات في الأسبوع ، فكانت تمر بنا ساعات الليل وأنا أعزف العود وأغني بأعلى صوتي في ليالي الصيف ، ليس من داخل الغرف فحسب ، بل من إحدى شرفات البيت الخارجية المطلة على شارع حي المصرارة الرئيسي ، وإنني أعتقد بأنني كنت - والحالة هذه - سببا في إقلاق راحة البعض من أهالي ذلك الحي ، كما كنت مجددا للصبا والخيال والأمل المنشود لمن وهبه اللّه الذوق السليم من أهالي ذلك الحي أيضا . . . أما زيارة هذه الأسرة لبيتنا ولو كانت قليلة ولكنها - والحق يقال - خلفت لكلينا أثرا لا يمكن للأيام أن تزيله لما كانت هذه الزيارات مملوءة بالطرب والسرور منذ الصباح إلى ما بعد منتصف الليل ، ودعيت بليالي النيكوفورية . « 1 »
هامش
( 1 ) النيكوفورية : هو الحي الواقع شرقي الطالبية في القدس الغربية الذي انتقلت إليه عائلة الجوهرية في تلك الفترة .