محمد حسن مثلا والمطلوب منه ثمانية عشر قرشا يقول تسعة عشر قرشا أي قرشا واحدا لغذائه وراحته بالإضافة إلى المبلغ المطلوب ، ويسلم المتكلم إيصالا بثمانية عشر قرشا رسميا وهكذا . وقد صادف معي هذا الحادث المضحك :
لما كان الحاج نامق القطب من عائلات القدس القديمة ولها الحق بحمل علمين من الأعلام الثمانية التي تحمل في مهرجان نزول البيرق في موسم النبي موسى من القدس إلى مزار النبي موسى بجوار أريحا ، كنت واقفا مع طائفة من زملائي في دائرة المالية نتفرج على موكب الأعلام ، أذكر منهم محمد عارف القسطنطيني ، وإبراهيم شحادة العلمي ، وحسين الأرناؤوط ، ويعقوب برامكي ، وسابا الشماع ، وسليمان بدر يونس ، وسليمان الوعري ، وسعيد مختار ، ومصطفى عوض ، وبكر عوض ، وشكري النشاشيبي ، وذلك في سنة 1927 ، إذ مر العم أبو يعقوب لابسا العمة والجبة ، وراكبا جواده وفي يده العلم الكبير مع نخبة من أعيان الدجاني ، ويونس ، وقليبو ، وعلى رأسهم سماحة المفتي ، وكانوا في آخر الموكب المؤلف من أولاد البلد والسيارة المعروفة بسيارة القزاز والديس ، وفرقة موسيقى دار الأيتام . كنا واقفين بجوار هو سبيس النمسا ، وعندما اقترب منا العم أبو يعقوب قلت له بأعلى صوتي :
" في فلاح من بيت حنينا كان يسأل عليك بده يدفع لك الويركو " . . . وقد لفت صوتي الكثيرين من أعيان الموكب ، وما أكملت هذه الجملة إلا ونسي العم أبو يعقوب الموقف الذي كان به وبحكم الصنعة قال لي إبه باللّه وينو . . . وأظهر نفسه بأنه على وشك النزول من على ظهر جواده وترك العلم المقدس الذي بيده . . . وهات يا ضحك من جميع الحضور ، وأصبح هذا الحادث ذكرى على لسان الجميع ، إن دل عن شيء فهو يدل على جرأة العم أبو يعقوب وكيفية حركاته لتحصيل أموال الدولة ، وقد بلغ هذا الحادث إلى المفتش المستر عطا اللّه منطورة الذي نقله بدوره إلى حاكم القدس المستر ستورس ، فحضرت أنا وأبو يعقوب بين يديه وهو مغمى عليه من الضحك إلى أن سلم بيده على العم وشكره على اجتهاده . . رحمه اللّه .
الشاويش الكردي زمن تركيا
على ذكر طريقة العم الحاج نامق القطب في تحصيل الضرائب من المكلفين تذكرت الحادث الواقعي الذي حدث بحضور المرحوم والدي زمن الحكم العثماني - زمن الظلم والاستبداد - كان قد حدثني والدي عنه فقال :
صادف أن قرى بني زيد من قضاء رام اللّه « 1 » أصرت على عدم دفع الضرائب ، وقد تراكمت مبالغ مستحقة عليها عن سنين سابقة إلى أن عينت الحكومة فرقة من الجندرمة مرافقة لبعض موظفي المالية ، ومن ضمنهم المرحوم والدي لتحصيل المبالغ المستحقة بالقوة خوفا على شوكة الحكومة تحت ظل الطاغية السلطان عبد الحميد . وكان أحد الجندرمة بوظيفة شاويش من أصل كردي لا يتكلم إلا التركية ، وقد أقنع جماعته بأنه هو المسؤول عن تحصيل الضرائب هذه حسب طريقته الخاصة وبوجه السرعة ، وما عليهم إلا إعطاء الحرية بالعمل فوافقوا عليها .
وصلت هذه القوة وكما كانوا يسمونها بآلة الظلمة . . . إلى أول قرية من القرى المتمردة من بني زيد ، ونزلت كالعادة في مضافة القرية ، فحضر في الحال الفلاحون وبدأ الكاتب وقرأ الاسم الأول من المكلفين بدفع الضريبة ، فمثلا كان اسمه محمد حسن
هامش
( 1 ) ناحية دير غسانة والقرى المحيطة بها .