تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
أعجب من ذلك مع أنني لم أعمل شيئا يوجب معاملتي على هذا النحو ، ولكن مضت الأيام إلى أن تفهمت جليا الموقف ، وذلك بعدما تفاهمت مباشرة من الأخ محمد عارف القسطنطيني بمناسبة جلسة سمر تجلى فيها الطرب وأخذ منا كل مأخذ بواسطة العود والكاس ، فقال - رحمه اللّه - " فلان الفلاني قد أسر في أذن كل من موظفي المالية عند استلامك الوظيفة أول يوم أن مجيئك وتعيينك بيننا كان مقصودا ، لأن المستر رونالد ستورس الحاكم العسكري الذي يثق بك وصديقك هو الذي بعثك إلينا لتجسس على كل منا في الدائرة ! ! . . " . وكان وقع كلام الأخ محمد عارف القسطنطيني علي كالصاعقة ، واللّه يشهد أنني أمقت من كل قلبي حتى كلمة تجسس ، وأنا لم أخلق إلا لأصدقائي ووطني وفني الرفيع الذي يغنيني - والحمد للّه عن القيام بأي عمل يسيء لإنسان . . وقد لمس الأخ أبو أحمد وشعر من براءتي وأصبحنا وإياه نذكر ذلك الفاسق . . والمعلوم لدى الجميع ما هي أخلاقه الذميمة وكنت والحالة هذه أعطف عليه ولكن مع الزمن تغير الموقف وأصبحت معبود زملائي من كتبة ومحصلي أموال وغيرهم حتى ظهرت الحقيقة وعرفوا ذلك الخسيس على علاقة وتأكدوا من إخلاصي بينهم . وهكذا من وظيفة كاتب مفردات عينت في كل عمل صغير وكبير في هذه الدائرة إلى أن وقفت تماما على جميع المعاملات ، وأصبحت خبيرا فيها ، وكنت أقوم بكل منها بتفوق وشرف حتى جاء اليوم الذي تعينت فيه مدير مال القدس كما سيجيء البحث عنه في حينه .

الحاج نامق القطب محصل الأموال الممتاز

كانت تحدث في هذه الدائرة حوادث مضحكة للغاية ، وقد قضينا أوقاتا جملية جدا لم نزل نذكرها ليومنا هذا ، فمثلا كان الحاج نامق القطب أحد محصلي الأموال خفيف الظل والروح ليس في كل شيء ، بل في صلب وظيفته ، فكان إذا ما خرج إلى القرى فبوقت قصير بالنسبة لزملائه يعود راكبا على جواده والخرج ملآن من الأموال الأميرية ؛ رسوم ويركو ، وأعشار ، وقروض زراعية ، وضريبة حيوانات ، وغيره ، فكان له أسلوب خاص بين الفلاحين ، فيفلح بتحصيل الأموال حتى لقب بالغول . وكثيرا ما كان يعين له نفرا من البوليس ليرافقه في وظيفته ، ولكن عند رجوعه إلى القدس كان يخاف أن يتركه البوليس فكان يحفظه في بيته « 1 » على الرحب والسعة إلى أن يدفع ما كان معه من أموال إلى صندوق المالية ، ثم يقفل راجعا ويستصحب البوليس ذاته إلى القرية . . . وهكذا . وكان عندما يباشر بتحصيل الأموال من المكلفين الفلاحين لا يتحدث إلا بالرسوم والويركو ، فإذا ما حدثه الفلاح عن موضوع آخر خارج عن وظيفته ، يضع يده على أذنه ويعتذر قائلا " أنا أطرش وسمعي خفيف . . . " ، فيسكت الفلاح بدون جدال ، وكان - رحمه اللّه - عندما يصل إلى القرية يهيئ لنفسه أولا كل أسباب الراحة فيشتري الدخان وعلب اللحم أو السمك السردين والبيض والسمن حتى يؤمن طعامه . . . ويضع الجميع بجانبه في المضافة احتياطا للطوارق ، ثم يقسم القيمة التي ابتاع فيها هذه الأشكال بالعدل على جميع المكلفين ، وعندما يجيء اسم
هامش
( 1 ) المقصود للحراسة .