إصدار قانون البلديات سنة 1877 ، إذ قامت السلطة بوضع قيود تنظيم رخص البناء ، ومواد البناء ، وعلو المباني « 1 » .
أشارت المؤرخة هالة فتاح إلى أن " زيادة الاهتمام بالنمو الحضري في القدس ، واتساع شبكة الاتصالات ، فرضا أنفسهما على السلطات العثمانية ، وأصبح التخطيط لنمو مدينة القدس ، في أواسط القرن التاسع عشر ، من أولويات عملية مركزة السلطة العثمانية في فلسطين . وقد نجم عن إنشاء دار البلدية والمجلس البلدي تفعيل الحياة السياسية في القدس . " « 2 »
من معالم التنظيم العثماني المدني في تلك الفترة كان إنشاء النصب التذكارية في الساحات العامة سنة 1901 احتفاء بالعيد الخامس والعشرين لتولي السلطان عبد الحميد الثاني العرش . وأصبحت هذه النصب ذات الأبراج وساعاتها معالم تاريخية في ساحات مدن إقليمية ، مثل إزمير وطرابلس ويافا والقدس . وثار جدل في شأن برج القدس ( باب الخليل ) لاحقا عندما قامت سلطات الانتداب بتدميره " لأغراض جمالية " سنة 1918 ( كما سيأتي أدناه ) . وقد تميزت القدس من باقي هذه المدن الإقليمية بأن قاعدتها الاقتصادية كانت ترتكز بشكل أساسي على الوقفيات الدينية والنشاطات المتعلقة بخدمة الحجاج . وقد نسب قول إلى السير تشارلز آشبي ، مستشار " جمعية محبّي القدس " في الشؤون المدينية بعد الحرب ، بأن المدينة المقدسة كانت " تعيل قطاعا واسعا من السكان الطفيليين - من كهنة وحانوتيين ورهبان ومبشرين ونساء أتقياء ، وكتبة ومحامين وجمهور من الحثالة والأوباش - وجميعهم لهم مصلحة ثابتة في الإبقاء على الأمر الواقع . " « 3 » ويستنتج من النبرة الساخرة لهذا الوصف أن المستهدف منه في تصور آشبي ، ذي الترعة الاشتراكية ، هو على الأرجح الطبيعة الراكدة وغير المنتجة لاقتصادات المدينة ، وليس الشارع المقدسي .
بالإضافة إلى المنشآت العثمانية التابعة للبلدية والتكايا الوقفية ، ظهرت أول مبان حديثة في البلدة القديمة في الأربعينيات من القرن التاسع عشر على أيدي الإرساليات الإنكليزية والألمانية البروتستانتية . أمّا خارج البلدة القديمة فكان أول المباني العامة المجمع الروسي الضخم المعروف بالمسكوبية في الخمسينيات من القرن نفسه .
ويرجع المؤرخ الألماني ألكسندر شولش إلى هذه المشاريع الثلاثة موجة التحديث العمراني في القدس العثمانية ، والتي شملت كثيرا من " المباني الجديدة للكنائس والأديرة والأنزال ( الهوسبيسات ) والمدارس والمستشفيات والفنادق والقنصليات وتغييرها وتوسيعها [ والتي ] استمرت فيما بعد دون نقصان . " « 4 » تبع هذه الحركة المعمارية إنشاء الأحياء الجديدة لأعيان المدينة من المسلمين خارج الأسوار في الشيخ جراح وباب الساهرة وسعد وسعيد في العقد السابع من القرن ، والأحياء الجديدة لليهود في يمين موشيه ومئاه شعاريم في الفترة نفسها . « 5 »
ولا شك في أن مشاريع البناء العثمانية ، كما هي الحال مع قوانين البناء والتنظيم الرسمية ، كانت موجودة لكنها كانت عشوائية ، وسرعان ما تم تهميشها بفضل الحجم الهائل للنشاطات الوقفية الدينية والاستثمارات الأجنبية وحركة البناء العائلية الخاصة . وتقول المؤرخة كارك ، في هذا المجال ، " إن التخطيط المدني في القدس العثمانية كان موجودا ، لكن لم يتم تنفيذه في الغالب ، ولو جزئيا ، إلّا في العشرينيات من القرن التالي . " « 6 » وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن القول إن مشاريع تنظيم المدينة اللاحقة - في فترة الحكم العسكري وبداية الانتداب - كانت في معظمها مبنية على هذه الرؤية العثمانية . « 7 »
على هذه الخلفية أنشأ الكولونيل ستورز سنة 1918 " جمعية محبّي القدس " - وهي مشروع طموح هدف كما أسلفنا إلى الحفاظ على مباني القدس التاريخية وإعادة إحياء المدينة اقتصاديا . كانت الأهداف المعلنة للجمعية هي " الحفاظ على آثار المدينة المقدسة وتطوير وظائفها الثقافية ، كالمتاحف والمكتبات والمسارح إلخ ، ودعم التعليم والرفاه الاجتماعي لسكان المدينة . " « 8 » استطاع ستورز أن يجند مجموعة كبيرة من نخبة المدينة في مجلس إدارة
هامش
( 1 )Rassem Khamaisi Rami Nasrallah , The Jerusalem Urban Fabric : Demography , Infrastructure and Institutions ( Jerusalem : International Peace and Co - operation Centre , 2003 ) , p . 298 .( 2 )Hala Fattah , " Planning , Building and Populating Jerusalem in the Ottoman Period , "WWW . jerusalemites . org / jerusalem / ottoman / 7 . htm( 3 ) يادين رومان ، " حائط القدس " ، " مجلة إيرز " ، شباط / فبراير 2000 .
( 4 ) ألكسندر شولش ، " تحولات جذرية في فلسطين ، 1856 - 1882 " ( عمان : منشورات الجامعة الأردنية ، 1988 ) ، ص 148 .
( 5 ) المصدر نفسه .
( 6 )Kark , op . cit . , p . 59 .( 7 )Khamaisi Nasrallah , op . cit . , p . 296 .( 8 )Ronald Storrs , Orientations ( London : I . Nicholson Watson Ltd . , 1937 ) , p . 322 .