وهكذا لحسن الحظ ، تلقت فيكتوريا العلوم العالية اليونانية ، وعاشت في حياة هادئة أرستقراطية ، وكانت تزيد معلوماتها وعلى الأخص في علم الأسترونومي « 1 » واللغة اليونانية الأصيلة عندما كانت ترافق غبطته في كثير من جولاته خارج القدس وخارج فلسطين تحت إشراف المسؤولة عنها رئيسة المدرسة المذكورة .
وعندما أنهت علومها في المدرسة دخلت مدرسة الفرندز في رام اللّه ، فتعلمت بوقت قليل اللغة الإنجليزية ، ثم تعلمت الفرنسية على يد معلمة خاصة ، وفي أثناء الحرب العظمى الأولى عندما نفي البطريرك ذميانوس من القدس إلى الشام ، اضطرت إلى الرجوع إلى بيت والدها صليبا عندما كان صاحب فندق الجلجال في أريحا ، ولسوء الحظ غضبت قيادة تركيا على والدها صليبا ونفته إلى أنقرة مع المرحوم سمعان البيضة ، وهكذا اضطرت فيكتوريا لما هي عليه من ثقافة ومقدرة من أن تدير إدارة الفندق على الوجه الكامل ، وحافظت بالفعل على شؤون العائلة حتى احتل البريطان فلسطين فواظبت على السير في إدارة الفندق مع قادة الإنكليز بكل أمانة واستقامة ، إلى أن رجع والدها من منفاه فسلمته الإدارة لهذا الفندق ، والجدير بالذكر أنها ، وبواسطتها ، استأجرت البناء المعروف بفندق السان جون ، الذي أصبح من أرقى فنادق القدس ، وسلمت إدارته أيضا إلى والدها لكي تتفرغ للزواج ( سرا ) من صاحب هذا الكتاب .
لما ذا فضل البطريرك ذميانوس تبني فيكتوريا وليس سواها من إخوانها ؟
ولا شك بأن الدنيا حظوظ ، وقد شاء القدر أن تحظى فيكتوريا بهذه النعمة عن إخوانها وأخواتها وإليك السبب :
كان البطريرك ذميانوس من أغنياء الأسر اليونانية في مدينة ساموس ، وكان تاجرا معروفا ومن عائلة سامية ، وقد تزوج من فتاة تليقه باسمه وعمله ، وبعدما أنجبت له مولودا أنثى توفيت على إثر الولادة مباشرة ، فجن جنونه وتأثر جدا لما كان عليه من حب ، ولكن كانت هذه مشيئة اللّه ، فقد أخذ في تربية ابنته وأحبها حبا عظيما ؛ فأصبحت ذكرى والدتها التي بدأ يتناسى موتها بوجود هذه الدمية إلى أن وصلت الثامنة من عمرها ، فتوفت وكانت صدمة عظمى لوالدها ، فقرر وصمم أن يترك حياة الدنيا ويزهد .
وهكذا قرر في نفسه أن يكرس ما بقي من حياته كراهب متواضع يخدم قبر يسوع المسيح بالقدس . نفذ قراره فترك بلاده ووطنه وجاء إلى القدس بلباسه القومي ( الذي احتفظ برسمه ضمن المجموعة الجوهرية ) .
فدخل فورا في سلك الرهبان ، وعين من أحد خدمة القبر المقدس داخل القمامة . « 2 »
وبالنسبة إلى حسن طلعته والنعمة التي كانت تضيء وجهه وجماله وثقافته وعلمه ، فقد لفت أنظار رؤسائه من الرهبان ؛ وبمدة قصيرة ترفع إلى مركز أعلى فأعلى إلى أن تقرر بالإجماع إرساله إلى روسيا نيابة عن البطريركية ليقوم في الدعاية وجمع الأموال باسم البطريركية ، وهكذا قام بأحسن قيام ، ورجع من روسيا مرفوع الرأس بعدما ملك قلوب الروس من الوجهة الدينية ، وكادوا يعبدونه من عظم محبتهم وتقديرهم لشخصه ، وبعد رجوعه إلى فلسطين رسّم مطرانا في بيت لحم ، وقد صادف وفاة البطريرك جرايموس سنة 1897 تقرر بالإجماع وانتخب بطريركا للروم الأرثوذكس بالقدس .
هامش
( 1 ) الأسترونومي : علم الفلك .
( 2 ) القمامة : كنيسة القيامة كما كانت تعرف تاريخيا لدى المؤرخين المسلمين . انظر : مجير الدين الحنبلي ، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل .