رغما عن كبر سنه ، وقلت في نفسي حقيقة أنه من النادر أن نرى أمثال هؤلاء العمالقة ، وهم البطريرك ذميانوس ، وعيسى نخله قرط من الطائفة ، والشيخ موسى شفيق الخالدي من مسلمي القدس .
باركنا وبعد الزواج زرناه وقد استقبلنا استقبالا رسميا في قاعة البطريركية بألبسته الرسمية ، ومن حوله المطارنة ، وقدم لكل منّا صليبا ذهبيا بسلسلته الذهبية ، وبداخله الذخيرة المقدسة ، « 1 » فشكرناه . وإليك ما أذكر مما قاله مخاطبا فيكتوريا :
إنني وحالتي الحاضرة السيئة ماديا وأعيش براتب شهري لا يمكنني من تقديم الواجب لك يا فيكتوريا ، وإني أحب كما تعلمين أن أساعدك ماديا من جيبي الخاص وليس من مال الأوقاف ، وإني أصارحك أن الأخوان الحاضرين وفي جلسة خاصة وافقوا مبدئيا فيما إذا أنا رغبت أن أقدم لك كهبة بصفتك ابنتي الروحية ( الأرض والدار التي تسكنيها الآن ) ، ولكن حيث أن هذا الملك من أملاك أوقاف البطريركية الأرثوذكسية ، فإنني وضميري لا يسمح لي أن أصب عليك وزوجك وبيتك وخلفكما النار ، بل أكتفي بمنحك وزوجك البركة في حياتي ، وثقي أن روحي تباركك وزوجك وبيتك أينما كنتم وحللتم بعد وفاتي ، وأتمنى لك وطلب من اللّه حياة سعيدة هنيئة مسيحية إلى الأبد ، واعذريني عن قصوري الآن كما آمل أن يساعدني الوقت وأحصل على ما أتمكن الحصول عليه من أموالي الشخصية ، فأساعد فيكتوريا حسب المستطاع ، وبكى حنوا وعطفا وشكرناه وتركناه وصحبه شاكرين .
شهر العسل
قضيت أول ليلة مع فيكتوريا في دار النيكوفورية ، وفي صباح الأحد الواقع 10 مارس 1924 ، وكان الطقس ماطرا بصورة غير اعتيادية ، ركبنا القطار من محطة القدس قاصدين القاهرة فوصلنا العصيرة عريش مصر ، ووجدنا أنه من شدة الأمطار جرفت السيول جسر العريش الكبير ، وهكذا اضطر القطار للوقوف ، ولم نتمكن من مواصلة السير ، بل بقي القطار واقفا وقضينا طول الليل ، وكان القطار ممتلئا بالسياح الأجانب ، وخوفا من هجوم بدو البادية عليه ، جاءت فرقة من الجيش لحراسته . أما أنا فقد بدلت تذكرة القطار ودفعت فرق بين درجة البريمو « 2 » وحصلت على ( غرفة نوم في المطار ) ونمت وفيكتوريا على خرير المياه ولكن كنا يقظين من الخوف كما أشيع بين موظفي القطار .
وعند الصباح ، رأت مصلحة السكة الحديدية أنه من الصعب السير ، وقد يلزم من الوقت الكافي لأجل تصليح الجسر بصورة تؤمن سير القطار ، وهكذا رجع القطار ومن فيه إلى يافا ، ورد لجميع الركاب الإيجار بكامله . ذهبنا ونحن في حالة تعبة ونزلنا في فندق كلف لصاحبه سليم بركات والواقع في حي العجمي ، وأقمنا ثلاثة أيام وليال إلى أن أخذنا خبر انتهاء تصليح الخط الحديدي على جسر العريش ؛ فقطعنا تذاكر جديدة ( رغما عن تشاؤم فيكتوريا وإخواني بالقدس ) الذين ألحوا علي بالعدول عن رحلة مصر ، ولكن شاء القدر فتركنا يافا وقصدنا مصر بعد الاتكال على اللّه فوصلنا عند الساعة الحادية عشرة ليلا تقريبا .
تعرفنا بالقطار بين القنطرة والقاهرة على رجلين يونانيين ، وكانا في منتهى اللطف والأدب ، ولما عرفا أننا عرب ، ولم نعرف القاهرة بعد ، ساعدانا عند وصولنا المحطة ، وأخذانا في سيارة على نفقتهما الخاصة نفتش على فندق مناسب ، ولكن بلا
هامش
( 1 ) الذخيرة المقدسة : قطعة من صليب المسيح .
( 2 ) البريمو : الدرجة الأولى .