تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
يا راهب الدير بالإنجيل خبرني * عن البدور اللواتي عندكم نزلوا
وكانت هذه القصيدة محببة جدا - آنذاك - للمطرب البنا ، وكنت أغنيها بمهارة فائقة وقد يتخللها مد طويل يساعد المغني ، وذلك على مسمع الجمهور العظيم في شارع يافا القدس بدون حياء ولا وجل . . . فسقيا لتلك الأيام التي أصبحت ذكرى لكل فرد منا لهذا اليوم ! وإني أختتم هذا الموضوع فأقول إنه بعد زفاف فيكتوريا على باسكال عاشا بالقدس ، ثم في حيفا مدة طويلة تقارب السبع عشرة سنه ، ولم ينجبا الأولاد ، وكانت حياتهما الداخلية محشوة بالمشاحنات والغيرة ، ولم ينسجما معا لما عليه هذا الباسكال من شذوذ ، وقد أسفرت النتيجة - ويا للأسف - أن تفاسخا من هذا الاقتران بالرضا وبمساعي الأخ سابا سعيد ، ورجعت المسكينة عروستنا الأولى في عائلة سعيد لبيت أبيها ، أو بالأحرى بيت إخوانها تندب حظها ، وللّه في خلقه شؤون .

وفاة الوالدة

توفيت والدتي المغفور لها في أسبوع عيد القديسة بربارة سنة 1920 بمرض النزلة الرئوية فأقامت مدة أسبوع في الفراش تحت إشراف أخي وصديقي الدكتور عزت طنوس إثر فقد أخيها الوحيد ( خالي ) نخلة بن أنضوني بركات ، الذي توفي قبل أربعين يوما من وفاتها . وقد تأثرت جدا بسبب وفاتها ، وحقيقة شعرت بأن الدنيا كما يقولون هي الأم ، فكرت - آنذاك - أن أحقد على الدنيا وما فيها من شدة تأثري وانفعالي لفراقها . وبوفاة الوالدة ، قضي على حياتنا البيتية أنا وأخوتي خليل وتوفيق وفخري ، وأصبحت دار الجوهرية شبيهة بقاووش الجيش ، فكل واحد منا يعيش وحده ، وعند المساء يحضر إما عند منتصف الليل أو بعده ، وعلى جانب عظيم من الحظ ينام ويترك فراشه عند الصباح ، وهكذا إلى أن ضاق صدري فاضطررت إلى وضع امرأة كبيرة في السن تدعى سلطانة اللنجي ، وهي من طرف أقرباء الوالدة ، فلم يرق لها الجو وتركتنا بعد مدة ؛ الأمر الذي زاد كل واحد منا في تهتكه وجلب ما يروق له من الأصدقاء والأحباء من ذكور وإناث معه عند منتصف الليل . حفلات تاريخية كثيرة جرت في الدار ، فكنا نقضي ليلة ساهرة مع بديعة مصانبي وزوجها المرحوم نجيب الريحاني وفرقتهما إلى مطلع الفجر ، وفي الليلة التي تليها تكون فروسو زهران وعودها وبعض هواة الفن من إخواننا المقدسيين أمثال عبد الحميد قطينة ، وحمادة العفيفي ، وعلي عباس الجاعوني ، وغيرهم . . . وهكذا إلى أن ضاق صبر جيران الدار وأصبحوا لا ينامون وقلقي الراحة . وإني أذكر ، والعطف يملأ قلبي ، أنه عندما كان واحد منا يرجع إلى البيت مع شلة من الأصدقاء ، ولعدم وجود سيدة خبيرة في شؤون المنزل لتحضير مائدة الخمر والمازة ، نجيء ونقيم الأخ فخري من نومه العميق ، وكان - آنذاك - طالبا في مدرسة الرشيدية ، فيقوم بالحال ويبدأ بما يترتب عليه من أمور تحضير مائدة عربدة السكارى ، ويشاركنا إلى ما بعد منتصف الليل . لم أطق السير على هذا الطريق الشاذ ، وأنا موظف في دائرة حاكم القدس العسكري ، وشعرت بتعب مضني وتدهور في صحتي من كثرة السهر وتعاطي الكحول والعزف والغناء ليليا ، ففكرت جليا بمصيري ومستقبلي وقررت في نفسي الزواج .