تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
وقد شاء القدر أنه عندما ألقى أول نظرة على فيكتوريا انهارت دموعه فتذكر ابنته في الحال ، وكانت - كما أكد لفيكتوريا - تشبه ابنته ، وكأنها صنوة لها في اللون وخفة الدم والذكاء ، وفي كل شيء ، وهكذا قرر في نفسه أن يتبناها وقد أحبها من كل قلبه ، فأصبحت تسليته الوحيدة بعد ابنته الحقيقية . وكان بالفعل في كثير من الأوقات يبكي فرحا عندما يشاهد فيكتوريا في دراستها أو في لعبها على أسطح المدرسة . هذه هي القصة الحقيقية لمعرفة فيكتوريا بالبطريرك وكسبها العلوم والأدب والعيشة البحبوحة التي حازت عليها بالنسبة لإخوانها . . . فسبحان مقسم الأرزاق !

موافقة البطريرك ذميانوس على زواج فيكتوريا مني

كنا ما يقرب من مدة خمس سنوات متفقين شفهيا على الزواج وبدون أن نحسب من عائلتي العريس والعروس أي حساب حتى ولم أطلب يوما يدها من والدها حسب العادة المتبعة آنذاك . كان موقفنا مشرفا للغاية ، وكان حبنا متبادلا ، وحصلت ثقة عظمى ما بيننا ، فسرنا على بركة اللّه وتعاهدنا على الإخلاص إلى أن كتب اللّه لنا النصر بعد عذاب وآلام يضيق الوقت عن ذكرها الآن . وعلى كل حال ، كانت فيكتوريا تتخوف كثيرا من عدم موافقة البطريرك على زواجنا لأنه كان دائما ينبهها من قسوة وجهل أبناء الطائفة العرب ، وكذلك من عدم وجود أشخاص يرضى عنهم في الجالية اليونانية في بلادنا . وهكذا كانت خطته المثلى أن يبعث بفيكتوريا إلى جامعات ألمانيا لأجل أن تأخذ شهادة عالية في الطب ، وكان وبعد رجوعه من منفاه في دمشق ، وكان طبعا بعد الاحتلال البريطاني ، يأمرها بأن تسلم جميع ما مارسته من إدارة الفنادق إلى والدها ، وتتأهل للسفر إلى ألمانيا ، ولم يدر ما كانت عليه فيكتوريا من غرام مع صاحب هذا الكتاب إلى أن حان الوقت لكل منّا في سنة 1924 ، فذهبت وفاتحت البطريرك بالأمر ، فدهش مبدئيا ، ولكن عندما سمع أن من يكون شريكا لحياة ابنته الروحية هو ابن جرجس جوهرية صمت قليلا ، ثم أردف يقول : إنني اذكر والده - رحمه اللّه - جيدا ، وكنت أقدره وأحبه وأفضله عن من كانوا بجانبي في البطريركية . إنه أمين مخلص ، وهو معتبر ابنا لنا وللبطريركية ، ولعظم محبتي له كنت أزوره في بيته في حارة السعدية ، وأشاهد من السطح المناظر الخلابة لمدينة القدس ، ولا شك بأن الولد هو سر أبيه ، فإذا عزمت فأنا أبارك لك فيه يا ابنتي ! ! كانت فرحة عظيمة لفيكتوريا ، وعندما بلغتني ما قاله البطريرك شكرت اللّه عز وجل ، وقلت إني حقيقة فخور بالمرحوم والدي وما خلفه لنا من اسم عظيم ، وقلت " أين في الناس بمثل أبي ! ! " .

البركة من غبطة البطريرك ذميانوس

زرت وفيكتوريا غبطة البطريرك لأول مرة ، وقد تمت يديه وهو جالس على مكتبه مساء ولفت أنظاري وهو يكتب ويقرأ على ضوء شمعتين اثنتين مقامتين من حوله على المكتبة . . وكنت أتأمل بصورته النادرة وجماله الباهر وقوامه المنتصب