جدوى لأن الفنادق كانت مملوءة بالسياح الأجانب إلى أن اضطررنا أن ننزل في فندق " سميراميس " المشهور والواقع بجانب كبري قصر النيل ، والجدير بالذكر أنني كنت منعت فيكتوريا من التكلم مع هؤلاء اليونان باللغة اليونانية ، فكانت تفهم جيدا كل ما كانا يتكلمان عنا مع بعضهم البعض . ولكن كنا نتكلم وإياهم بالعربي المصري ، وقد عرفتني بأنهما كانا يتحدثان عنا بالطيب دائما ورفضا رفضا باتا ما كنت أنوي دفعه للسائق فشكرناهما جدا .
وقفت وفيكتوريا بجوار المدخل الرئيسي لهذا الفندق العظيم ، بعدما تركنا الرجلين اليونانيين ، وإذ وجدنا أن باب الفندق الرئيسي غريب عنا ، ولم نر مثله بعد ! ! ولم يوجد شبيه له في فلسطين . ( وكان من الأبواب ذات الأقسام الأربعة الذي يأخذ الداخل قسما منه ، وعندما يدفعه بيده ويسير يجد نفسه داخل المحل ) وقفنا صامتين مدهوشين نترقب من يدخل هذا الباب من المسافرين . . . إلى أن فهمنا عمليته ، وهكذا شجعت فيكتوريا أولا فدخلت في قسم منه وسارت ، وكنت أنا قد دخلت القسم الثاني فأصبحنا والحمد للّه داخل الفندق ، وكل منا مغمى عليه من الضحك داخليا ، ولحقت بنا خدمة الفندق بالحقائب .
قضينا مدة سبعة أيام في هذا الفندق الذي كان يتناسب وحياتنا من وجوه عديدة ، ودفعنا جنيهين مصريين عن كل منا يوميا .
كان معي عنوان خالة فيكتوريا فروسو أرملة أبي صوان من القدس ، وكان العنوان غير كامل ، إنما يذكر شارع الفجالة - القاهرة . وهكذا ركبت وفيكتوريا حنطور خيل وذهبت إلى هذا الشارع ، وهناك وأنا أتجول في السوق ، إذ التقيت صدفة بالسيدة فروسو حاملة طفلا على يدها وهي تتسوق بعض لوازم البيت . فكانت - والحق يقال - موفقية كبرى بلقائها ، وبدأ العناق والقبل وأخذنا بعضنا إلى فندق يسمى رميز ودفعنا الحساب ، ورجعنا بالحقائب إلى بيتها وقضينا مدة ما تقرب من الشهر على الرحب والسعة ، وكأننا في بيتنا لما هي عليه من سيدة فاضلة وربة بيت بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، وإنا لم نزل نذكر هذه الضيافة ونقول سقيا لتلك الأيام ما أطيبها ! كانت خالة فيكتوريا متزوجة وعندها أطفال ، وكانت أولغا على وشك الزواج ، وقد اكتمل حظنا بوجود العزيز سليم الذي كرس وقته وهو معنا ، يرافقنا يوميا في التجول في القاهرة ومتاحفها ومنتزهاتها ومسارحها وشوارعها وآثارها وكل جميل فيها على الوجه الأكمل ، وبأسعار صحيحة لخبرته الواسعة في هذا البلد منذ خمس سنوات ، وكان ذلك لحسن حظنا بلا شك .
كان لي من الحظ قسط وافر بحضور ومشاهدة كروانة الشرق الآنسة أم كلثوم لأول مرة على مسرح الأوبرا ، وكانت ولم تزل في عهدها الأول في الموسيقى بلباسها الشرقي الشعبي ، وشعرها جدايل منساب على كتفيها ؛ فطربت لصوتها الحنون المشبع ، وكانت الفرقة الموسيقية التي تقودها بسيطة بعد . لم يسمح لي الوقت مع الأسف الشديد لترك فيكتوريا وزيارة أصدقائي الفنانين المشهورين في القاهرة أمثال سامي الشوا ، وزكي مراد ، وغيرهم ممن كنت آخذ غناءهم بواسطة الفونوغراف .
شاهدنا لأول مرة عندما كنا والسيدة فروسو وأولادها الأعزاء نتناول الشاي على فراندا فندق الكونتننتال المطل على الشارع العام ، شاهدنا موكب جلالة الملك فؤاد الأول مارا لافتتاح برلمان مصر لأول مرة ، وكان ذلك اليوم عيدا قوميا ،
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 399
مساهمون: واصف جوهرية
ص٣٩٩