تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة مقدمة 12

مساهمون:

صمقدمة ١٢
الديني كمؤشر إلى الهوية . « 1 » ويذكرنا جوهرية بأن كثيرا من الإصلاحات الانتدابية كان الأتراك أدخلوه إلى فلسطين في الحرب العالمية الأولى . إلّا إن كلا من الكوارث التي رافقت الحرب ، والثمن البشري الباهظ للتجنيد الإجباري ( سفر برلك ) ، ساهم في تسميم العلاقة بين الحكام العثمانيين ورعاياهم العرب ، الأمر الذي طمس ومحى من الذاكرة العربية الجماعية أية سمات إيجابية للحداثة العثمانية . من الملاحظ هنا أن فلسطين كانت أقل الولايات معاداة للعثمانيين على الرغم مما زعم لاحقا عن قياداتها المحلية . فحتى بعد إعلان الدستور الجديد سنة 1908 ، عندما بدأت التيارات الاستقلالية واللامركزية تظهر إلى جانب الحركات الانفصالية بين اليونان والأرمن ، بقي الفلسطينيون في معظمهم موالين للعثمانيين . ويلاحظ المؤرخ عادل مناع أن فلسطين تميزت بين المقاطعات العربية بكونها الأقل حماسة للإصلاح الدستوري . ففي نابلس ومناطق شمال فلسطين ، مثلا ، تظاهرت الجماهير تأييدا للسلطان وضد الإصلاحيين . « 2 » إنما استطاعت جمعية الاتحاد والترقي أن تجد مساندة محدودة من النخبة السياسية في يافا والقدس فقط . « 3 » ولم تبدأ التجمعات السياسية الفلسطينية الانضمام إلى التيارات القومية العربية بشكل ملحوظ إلّا بعد تنحية السلطان عبد الحميد عن السلطة سنة 1907 ، وبدأت جمعية الاتحاد والترقي تبني سياسة التتريك في مرافق الدولة . « 4 » تستذكر الإدارة البريطانية فوق كل شيء كأداة واعية لإرساء دعائم الوطن القومي لليهود ونكبة سكان فلسطين سنة 1948 . وتهيمن هذه الرؤية على تفسير جميع الأحداث اللاحقة ، وتفسر إلى مدى بعيد الأسلوب المتحفظ في سرد مشاهد الفرح والاحتفالات الشعبية في شوارع القدس في أعقاب دخول جيوش الجنرال أللنبي وانسحاب الأتراك منها .

مدينة الحثالة والأوباش

نجد في مذكرات الكولونيل رونالد ستورز ( 1881 - 1955 ) ، أول حاكم عسكري بريطاني للقدس ، تعبيرا واضحا عن أيديولوجيا ليبرالية رأت في فلسطين مرتعا للتخطيط الكولونيالي ، مع إحاطة واسعة ومثقفة بخلفية البلاد العثمانية والإسلامية . وتتقاطع هذه الرؤية بشكل غني مع مذكرات واصف جوهرية الساخرة عن الفترة نفسها من خلال التقاء الاثنين في مشاريع " جمعية محبّي القدس " ، وهي المؤسسة التي أنشأها ستورز للحفاظ على تراث القدس المعماري والأثري ، وتوفر لنا خطابين متباينين بشأن حداثة القدس في الفترة الانتدابية . ثمة اعتقاد سائد - وإن كان مغلوطا فيه - أن العثمانيين لم يساهموا بشيء يذكر في مجال التنظيم الحضري في المشرق العربي ، وأن البريطانيين هم الذين أدخلوا مفاهيم التخطيط إلى فلسطين . تقول المؤرخة روث كارك في هذا المجال : حتى نهاية العهد العثماني ، لم يكن هناك أي مخططات للمسطحات المدنية في القدس . وقد اقتصر عمل الباب العالي والسلطات المحلية على الإشراف على إدارة المدينة . ولأسباب أمنية تم تطبيق قانون عثماني يمنع بناء أية منشآت ضمن مساحة تقل عن 2500 فرسخ ( نحو 4 ، 1 كم ) . فمدينة عكا لم تتوسع خارج أسوارها حتى نهاية القرن الماضي . ولو طبق هذا القانون بحذا فيره لواجهت القدس المصير نفسه . « 5 » طبعا لم يطبق هذا القانون " بحذافيره " . فقد خضعت المدن الإقليمية العثمانية لدرجات متفاوتة من التنظيم الحضري ، وخصوصا الساحات العامة ( دمشق ، بيروت ، يافا ، حلب ) . وتميزت القدس بقوانين هيكلية متعددة بعد
هامش
( 1 ) واصف جوهرية ، " القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية : الكتاب الأول من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1904 - 1917 " ، تحرير وتقديم : سليم تماري وعصام نصار ( القدس : مؤسسة الدراسات المقدسية ، 2001 ) ، المقدمة ، صXXI. ( 2 ) عادل مناع ، " تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني ، 1700 - 1918 ( قراءة جديدة ) " ، ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، الطبعة الثانية 2003 ) ، ص 243 - 244 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 243 - 249 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 247 . يلاحظ مناع أيضا الاختلاف الواضح في تقويم الدعم الفلسطيني في تلك الفترة للتيارات المعادية للعثمانيين ، مثلا بين بيان نويهض الحوت والمؤرخ الإسرائيلي يهوشواع بورات ، إذ ترى بيان الحوت أن الدعم الفلسطيني للاتجاهات العروبية كان أكبر من الوزن السكاني لفلسطين في بلاد الشام ( المصدر نفسه ، ص 248 ) . ويبدو أن مرجع هذا الاختلاف يعود جزئيا إلى الفترة الزمنية المختلفة التي يعالجها هذان المؤرخان . ( 5 )Ruth Kark , Jerusalem Neighborhoods : Planning and by - Laws , 1855 - 1930 ( Jerusalem : Hebrew University of Jerusalem , Magnes Press , 1991 ) , pp . 58 - 59 .