دخل الشيخ نزار مقهى وبار كارنيك الأرمني المقابل لدائرة حاكم القدس شارع يافا عند الساعة الثامنة مساء من نهار 29 تموز سنة 1932 ، والتقى برجل زنجي كان في الماضي حارسا للمرحوم جودت الدجاني ، وبعد وفاته انتقل واشتغل في الوظيفة ذاتها عند الشيخ محمود الدجاني . تشاجر الاثنان وكانا على جانب عظيم من شدة السكر والحظ ، وقد تجرأ الزنجي فشتم الشيخ نزار وكان المقهى غاصا بزبائنه ، فجن جنون الشيخ نزار ، ورغما عن شدة سكره وإكراما للحضور هدد الزنجي وقال له : " هذه ليست مراجل يا رجل نحن في مقهى عام وبين جمهور له كرامة فإذا ما شئت أخرج إلى الشارع وهناك الملتقى " . وهكذا خرجا من المقهى وفي الشارع حمي الوطيس وكانت النتيجة أن الشيخ نزار ضربه بسكين في أحشائه وكانت القاضية وتوفي الزنجي بعد عشرين ساعة من الحادث ، وألقي القبض علي الشيخ نزار وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات ، فقضى أخينا الشيخ نزار مدة ثلاثة وتسعين شهرا قضاها في البر والإحسان . . . وخرج بعدها وهو بصحة جيده . والجدير بالذكر أن مدير السجن أحب الشيخ نزار وعطف عليه ، فكان يسمح له في مرات عديدة أن يترك السجن لمدة وجيزة عند المساء ليتناول كأسا من العرق . . . ويرجع وحده .
وقد حضرت له معركة كبيرة في شارع يافا ، وقد أبدع الشيخ في بطولته ، فشهد له جميع من كان حاضرا :
كان الشيخ نزار ورفيقه السوريكي ومحمد السعودي يتفسحون في شارع يافا ليلة رأس السنة الجديدة عند اليهود بتاريخ 8 أيلول سنة 1926 . وقد تشاجر السوريكي مع أحد الأشخاص من اليهود ، وقد شتم اليهودي السوريكي باللغة العبرية التي كان يحسنها الشيخ نزار ، فرد الشيخ الشتيمة بالعبرية وابتدأت معركة بين الفريقين ، وتجمهرت أتلال اليهود بكثرة فائقة وكان مع محمد السعودي مسدس ، وهكذا هجم اليهود على السعودي والسوريكي ، ولكن الشيخ فلت من أيدي اليهود وجاء راكضا إلى مقهى الجوهرية ، واختطف الباكور المحلب التخين من صديقنا فرنسيس الآوي ، ورجع يضرب اليهود بهذه العصا بدون خوف ولا حساب ، إلى أن خلص رفقاءه ، وكانت النتيجة أن خمسة وعشرين شخصا جرحى مهمشين مكسرين ، ومات واحد بعدما أجريت له ثلاث عمليات جراحية في المستشفى .
وهكذا بسبب عربدة الشيخ نزار وإقدامه على القسوة والإجرام ومثابرته على الطيش حتى أودت بحياته ، فسجن مدة عشر سنين بجريمة قتل ليس المقتول كان من زعماء الصهاينة ، وأعداء الوطن ، بل كان زنجيا . غضب أصدقاء الشيخ نزار جميعهم عليه ونبذوه ولم يزره في السجن أحد منهم حتى أنا . وشاء القدر أن أخي وصديقي وزميلي في الوظيفة أميل كردي قد اتهم في تهمة سوء استعمال أمنية ، وذلك سنة 1936 ، عندما كنا في سراي الحاكم داخل عمارة مستشفى دير الروم بالقدس ، وحكم عليه - ويا للأسف - في السجن بالأشغال الخفيفة ، ونظرا لصداقتنا المتينة بعثت به إلى الأخ الشيخ نزار ألتمس منه العطف على إميل ، وقد أصبح الشيخ نزار - آنذاك - خبيرا في السجون ، وحمّلت إميل أطيب السلام إلى أخي الشيخ . وبعد أسبوعين من سجن إميل ، إذ وردت إلي قصيدة من تأليف أخي الشيخ نزار بواسطة سجين كان معينا لتنظيف بيت مدير البوليس - آنذاك - أدونها في كتابي هذا للذكرى ، وفي الوقت ذاته لأعطي فكرة عن مهارة الشيخ نزار في الشعر :
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 390
مساهمون: واصف جوهرية
ص٣٩٠