العبرية بالقدس تقدره حق قدره . كان الشيخ نزار يدويا وله ميل فطري في الميكانيك والآلات الصناعية ، فإذا ما سألته كيف يمكننا خرق القزاز يفيدك في الحال ، ويعطيك أسرار هذه الصناعة النادرة - آنذاك - فمثلا يقول يجب عليك أولا حك النصلة التي بواسطتها يمكنك خرق القزاز وأن تسقيها من الكافور . . . وهكذا ثم ألم إلماما كاملا في الكهرباء حتى أنه ألف كتيب باللغة العربية لمساعدة أهل البيوت بصورة وجيزة ، وقد أطلعني على هذا الكتيب وكان جاهزا للطباعة .
وقد اشتغل مدة طويلة بعد الاحتلال البريطاني مدرسا في المعارف زمن مديرها العام المستر يؤمن ، ورافق الكثيرين من أساتذة ذلك العصر أمثال المرحوم قسطنطين خوري ، والمرحوم رشدي شعث ، وشريف النشاشيبي ، ويحيى اللبابيدي . . . وغيرهم ، ولكن لم يكن له جلد على الوظيفة والحكم ، فاستقال ولم يفلح . كان بطلا شجاعا يشار إليه بالبنان ، وله مواقف عديدة في هذا المضمار ، فكم من المرات هزم اليهود في شارع يافا من بعد ظهر نهار السبت وهو في حالة عربة السكارى . . . والجدير بالذكر أنه يتفنن في اقتناء الأسلحة البيضاء التي كان دائما يستعملها ، فإذا ما نظرت معه سكين كن على ثقة أن هذه السكين من صنع يده ، وهي من قطعة منشار أو زمبرك فولاذي ، وكان يفتخر بها ويرفعها بيدها ويقول لأصدقائه " بو أشقياء أشون " أي هذه هي للأشقياء .
كان - رحمه اللّه - خفيف الظل يتفانى بحبه لصاحبه ويخاطر بروحه كرامة لصديقه ، والويل ثم الويل إلى من كان يتعدى على الفتيات أو النساء من أولاد الأزقة ، ويكون مساعدا لهن بدون معرفة ، ولو أودى ذلك إلى حياته ، وبالفعل كانت أخلاقه حميدة وشريفا في كل ما لهذه الكلمة من معنى .
نظرا لصداقتنا كان يدعوني بأخيه ويقول " كيف ما بدك نزار بن جرجس جوهرية أو واصف بن الشيخ طاهر أبو السعود " ، وكثيرا ما كنت أهجم عليه وهو معربد بإحدى المعارك . . . والسكين بيده ، وعندما يمتثل لطلبي ويهدأ في الحال فأمسكه من تحت إبطه وأوصله بيتهم المعروف ببيت أسرة أبي السعود بجوار الحرم . أذكر أنه عندما كانت بديعة مصابني وفرقتها على مسرح مقهى المعارف الواقع - آنذاك - خارج باب الخليل ، وكانت ليلة نادرة وجمهور مجتمع . . . إذ صعد الشيخ نزار إلى شباك المقهى ورمى بنفسه إلى اللوج المقابل للمسرح ، ثم قفز ورمى بنفسه ثانية على رؤوس المتفرجين من أبناء القدس الأشاوس ، وكان في حالة شديدة من السكر ، الأمر الذي أدهش الحضور ، وتوقفت بديعة مدة من الوقت إلى أن جلس أخينا الشيخ وهدأ . . . ولولا وجودي هناك لما استطاع أحد من جلوسه ، وقد جلس بجانبي إلى آخر الفصل ونهايته .
وإني أدون هنا بأن أخي وصديقي الشيخ نزار له فضل كبير على المجموعة الجوهرية ، فكان - رحمه اللّه - يساعدني كثيرا في فك رموز المخطوطات العربية من كتب وفرامانات ومستندات أثريه ، وكان هو بنفسه يجلب لي مما أمكن من هذه الأشكال بصورة فظيعة ، وقد أحضر لي مرة منقلا أثريا من النحاس الأصفر شغل « 1 » استنبول ، شكله بيضوي ، حمله على كتفه ، ومن ثقله جرح كتفه ، وقال لي إن هذا المنقل هو منقل المرحوم بدر أفندي الخالدي . وأخيرا وليس آخرا ، واصل الشيخ نزار طيشه وأدمن على الخمر ليلا نهارا إلى أن اصطدم بمصيدة عظمى وإليك الحادث :
هامش
( 1 ) شغل : صنع .