أكثر عن دائرة البريد ، ثم التقى بصديقنا الشيخ نزار أبو السعود فسأله عن دائرة البريد وأخبره أنه ضل الطريق بالنسبة إلى من أرشده في السابق ، فقال له الشيخ نزار " لا بأس ، فمن واجبي أن أساعدك ، وأنت رجل غريب ، فسر معي وأنا أوصلك دائرة البريد " . . . فشكره المبشر ومشيا سوية . . . وقد أعجب المبشر من ذكاء الشيخ نزار عندما كان يحدثه في شتى المواضيع ، وهما يسيران رويدا رويدا إلى أن وصلا إلى عمارة دائرة البريد ، وقال الشيخ مشيرا بيده إلى مدخل العمارة هذا الباب يا سيدي . . . فبدأ المبشر يقدم له التشكرات وقد أخرج من جعبته ثلاث تذاكر دخول وقدمها إلى الشيخ نزار وقال له :
" أكون ممنونا جدا إذا شرفت مقر جمعية المبشرين الواقعة على جبل الزيتون مساء غد مع من ترغب من أصدقائك ، وهاك ثلاث تذاكر دخول لأجل أن ترى بأم عينيك أبواب السماء " ، فحبكت النكتة البديهية مع صديقنا الشيخ وأجابه : " طالما عندك ها لمقدرة وها لشطارة فكان الأولى بك أن تجد بنفسك باب دائرة البريد . . يا ابن . . . " وتركه وانصرف .
وهات يا ضحك ، عيسى عقل الذي كاد يغمى عليه من شدة القهقهة ، أما أخينا طناس فلم يبد أية كلمة إلا أن أصبح وكأنه في غيبوبة فاحمر وجهه وأومأ إلي بنظرة تنم عن ابتسامة داخليه .
أخي وصديقي الشيخ نزار أبو السعود
على ذكر الشيخ نزار أبو السعود الذي ذكرته في حادثة المبشر وأبواب السماء في حديثي أعلاه ، ها أنا أدون بقدر المستطاع لمحة وجيزة وحوادث طريفة عن هذا الأديب من أبناء القدس :
إن أخي وصديقي الوفي الشيخ نزار أبو السعود هو كبير أولاد المغفور له والده الشيخ طاهر أبو السعود مفتي الشافعية بالقدس آنذاك . وكان والده المذكور يعتبر من كبار أدباء وعلماء وشعراء أبناء القدس ، وصدق من قال ( الولد سر أبيه ) ولكن أقولها صراحة أن ابنه الشيخ نزار كان مدمنا على الخمر ويا للأسف ! وهكذا أفنى حياته في اللهو والشرب ، وكما يقولون في عربدة السكارى . . . الأمر الذي جعل الكثيرين حتى ومن أصدقائه وخلانه أن يبتعدوا عنه .
إن الشيخ نزار لم يكن شيخا معمما ، ولكن بالنسبة إلى علمه وأدبه دعوه بالشيخ وقد لبس العمة مرة في حياته عندما كان يدرس في مدرسة صلاح الدين ( الصلاحية . . ) إبان الحرب العظمى الأولى ، التي تحولت آنذاك إلى مدرسة إسلامية تحت إشراف السفاح أحمد جمال باشا . كان الشيخ نزار عبقريا في اللغة العربية ، وحافظا بالنسبة إلى ذكائه مجموعة ضخمة من الشعر العربي لأشهر شعراء العرب من قديم وحديث ، وكان ينظم الشعر ارتجالا ، وقد ورث هذا الفن ولا شك عن أبيه الشيخ طاهر أبو السعود ، وإليك هذا الخمس للمرحوم والده كان قد أرسله لوالدي بصفته صديقا حميما :