تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
يأخذ أولاد آخرين ، وفي الحال امتثل هذا الرجل لأمري ، وبلمحة من البصر أصبح أخينا طناس وحده عاليا ثم هبط نزولا ثم علوا بسرعة فائقة يبحلق بنظره ويشتمني بشتائم من الوزن الثقيل ويقول : عملتها في يا واصف ؟ ! ! واللّه . أما أنا فوقفت على قارعة الطريق ، وعلى مسمع من أبناء الطائفة الذين كانوا راجعين من زيارة سيدتنا مريم رجالا ونساء وأكثرهم من العجائز . . . وصحت بأعلى صوتي مخاطبا طناس وهو في الأرجوحة " يلعن اللي ما بيستحي وما فيه دم " ! ! ولك ما فيش عندك ذوق ! ! قلنا شطحة كمان تمرجح مثل الأولاد ما تخاف ربك ؟ ! ! فوقفت المارة يشاهدون هذه التمثيلية ، وبدأت تسألني بدورهم العجائز " مين يا أخي هذا " أقول شو شايفاه طناس سلحيت . وهناك البكاء والصريخ قطيعة لسا ما غمض عيونه المرحوم يورغو ! ! يوم الشؤم عليه وعلى هذا الجيل ، واللّه سمعة ! ! قال بيركب الشقاذيف وهو حادد ولا بس الكرفاتا السودا . . إلى ما هنا لك من ديباجات مثيرة . أما أنا فنزلت إلى وادي سيدتنا مريم ونظرت لخلفي ، وإذ طناس نزل من الأرجوحة وكاد الدم يصعد من وجهه خجلا يتمتم . . . ورجع مكسوفا ودخل باب الأسباط . . ، غضب طناس عليّ كل الغضب ، ولم يكلمني مدة ما تقرب الأسبوعين إلى أن اصطلحنا ، وكان هذا المقلب موضوع بحثنا في جلسات سمرنا في المستقبل ليومنا هذا . وأخيرا تعين بواسطتي طناس سكرتيرا لدائرة بلدية القدس بمعية رئيس البلدية الجديد راغب بك وفخري النشاشيبي ، وقد زهد الدنيا هذا المسكين واعتنق دين " التبشير " ، فأصبح من رجالات روح القدس المهووسين ويا للأسف ، وبدخوله في التبشير خسرت عائلته وأصدقاؤه ومعارفه ما كان يتحلى به طناس من مرح وظرف في الحياة . . . سامحه اللّه ! وللّه في خلقه شؤون ! وبعدما دخل الأخ طناس في التبشير استقال من وظيفته الرفيعة كسكرتير بلدية القدس ، وترك أصدقاءه وزهد الدنيا ومن فيها ، وانزوى في بيته بدون عمل ما ، إلى أن اشتغل بدون مقابل ملاحظا ومراقبا لمكتب الأخ انسطاس حنانيا عندما كان محاميا بالقدس في مكتبه الواقع بجوار فندق اللنبي ( فاست سابقا ) شارع يافا ، وكنت والأخ انسطاس والأخ عيسى عقل وغيرهم نتهامس ونتألم على مصير هذا الرجل ، وهو منكب على تنظيم وترتيب المستندات والدعاوى المبعثرة في المكتب ، وكنت كما عودني طناس في حياته أن أنظم المقالب والحوادث الطريفة أزوره وهو في غيبوبة من الروح القدس ، وأقص عليه الأحاديث المثيرة ، وأذكره بالزمن الغابر الذي قضيته وإياه قبل التبشير بحضور الإخوان المذكورين أعلاه ، وهو لايفه بكلمة واحدة ، بل ينظر إلي بنظرة تنم عن ابتسامة غامضة في وجهه ، وكنت وزملائي نستعمل المستحيل لرجوعه إلى الصواب ، ولكن بدون جدوى إلى أن رويت له هذه الحادثة الطريفة التي وقعت بالفعل مع أحد المبشرين : " زار مبشر أجنبي القدس ونزل في منزل المبشرين المقام على جبل الزيتون مدة أسبوع ، ولأول مرة زار القدس . ثم نزل من جبل الزيتون إلى المدينة لأجل وضع رسائله في دائرة البريد الذي يجهل موقعها . ولدى وصوله إلى ساحة باب العامود ، استفسر من أحد الأشخاص عن موقع البريد ، فأجيب أنه يجب عليه أن يأخذ الشارع المؤدي أولا إلى المنزل المعروف بالنوتردام ، ثم يتجه إلى شارع يافا شمالا غربا . ولكن ضل هذا المبشر واتخذ طريق المصرارة ، الأمر الذي أصبح بعيدا