تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥

طناس سلحيت والأرجوحة

أخي وصديقي طناس سلحيت من خيار شباب طائفة الروم الأرثوذكس بالقدس ، وله مواقف عظيمة في وطنيته وحبه المتفاني لعمل الخير وأخوته لأصدقائه ومعارفه ، وهو من الأشخاص المعروفين بطيبة القلب وكرم النفس والميل إلى النكتة والفرفشة ، فهو طروب في نفسه يميل إلى اللهو والطرب ، ويبتعد عن النكد والغضب ، وقد جربته في الدراسة والوظيفة أكثر اللّه من أمثاله ! ولي مع أخي وصديقي طناس حوادث طريفة جدا ، أذكر منها الحادث الآتي : كان رب عائلة سلحيت يورغو توفي بمدة قصيرة كما أذكر قبل عيد سيدتنا مريم عليها أشرف السلام ، وكان من الطبيعي لورثته من الإناث والذكور أن تقيم الأحزان وتلبس السواد حدادا على روحه الطاهرة ، وكذلك قام أخي طناس بما يترتب عليه من واجب في هذا الصدد . وقد صادف أنني كنت خارجا من باب الأسباط عند الغروب تقريبا ، متجها إلى وادي سيدتنا مريم لإقامة سهرة في أحد مخيمات أصدقاء لي في ذلك الوادي بمناسبة عيد سيدتنا مريم ، وذلك الموسم المشهور ، إذ التقيت بطناس راجعا من كنيسة سيدتنا مريم بعد الزيارة الدينية فسألته : - أهلا بطناس ، إلى أين ؟ - إلى الدار زرت قبر سيدتنا مريم . - ولكن أهذا عهدي بك ؟ . . العمى ارجع ورافقني في هذه السهرة ، وبدأت له أشرح ما هنا لك من طرب وسرور وجمال و . . و . . . الخ . أجابني طناس ولك أنا حادد على والدي بعد ، وأخاف من الناس فماذا يقولون علي ؟ أجبته علي بال مين أنت يا . . ومين بدو يشوفنا ، فنحن داخل الخيمة ، والدنيا ظلام و . . و . . إلى أن أغريته فوافق مختارا وصاحبني . وما هي إلا خطوات معدودة ، نظرنا وإذ رجل مصري وعنده ألعوبة ضخمه تدعى ( بالشقاذيف ) ، وهي عبارة عن أربعة صناديق معلقة على دائرة عمود ، وداخل كل صندوق منها مقاعد يجلس الأولاد عليها بعد ما يدفع الأجرة قرشا واحدا لكل مقعد ، وعندما تمتلئ هذه الشقاذيف يدير الدولاب الحديدي فتدور بسرعة فائقة ، ويصبح الأسفل الأعلى وهكذا . . . وهي ألعوبة محببة جدا من الأولاد آنذاك لأنها جديدة . نظرت إلى طناس وقلت له باللّه ولك تركب مع الأولاد . . . واللّه يا طناس شي جميل ، أجابني بحدة ولك ما قلت لك بأنني حادد على الوالد بعد . . وشوف الناس على الطريق . . . أجبته العمى مين بدو يشوفنا ، وخففت عنه الألم إلى أن رضي وصعد الصندوق وجلس ، أما أنا فقد دفعت عشرة قروش لصاحب الألعوبة في يده ، وأشرت بأذنه بأن يدور الدولاب ولا