الحكم على المدعى عليه دفع جزاء خمس ليرات فلسطينية ، وقد أخرج من جيبه المبلغ ودفعه إليه ، وهذا بدوره أحاله إلى الخزنة ، وجلب الإيصال باسمه حسب الأصول ، وسلمه إلى القاضي الذي ختم الدعوى المقامة عليه منه بالذات ، واعتذر إلى المومس . وأخيرا انتقل ثانية للنظر في الدعوى الأساسية المقامة على المومس ، واتخذ الإجراءات القانونية . هذه صورة مصغرة تدل عن مدى ومنتهى الإقرار بالذنب بدون حفظ ولا إكراه .
وإني أدون هذه الحادثة الخاصة والمساعدة العظيمة التي كان قدمها القاضي محمد يوسف الخالدي لي ، وتدل عن مدى الإخلاص والأخوة بين الأصدقاء الأوفياء في ذلك الزمن فأقول :
كنت صديقا وفيا لعائلة مسيحية معروفه منذ حداثتي تسكن البناء المعروف بالجبشة داخل السور . وكانت آنسه من هذه العائلة قد سرقت حجرا كريما الماس من الصائغ اليهودي الخواجة فابس من حانوته الواقع - آنذاك - في عمارة البرق والبربر القديمة شارع يافا . ولغباوة هذه الآنسة في فن السرقة ، عرجت على الصائغ الأرمني المعروف حانوته في أول عقبة خان الأقباط حارة النصارى ، واطمأنت عن قيمته ونوعه - سامحها اللّه - ثم ذهبت إلى سكناها في عمارة الجبشة . وعندما فقد الخواجة فابس حجره الكريم بدأ الاستفسار عنه من صائغي المدينة إلى أن اكتشف الحقيقة من الصائغ الأرمني ، وبواسطة البوليس توصلا إلى هذه الآنسة وأخذوها إلى المخفر ، حيث كتب فيها الضبط حسب القانون وصودر الحجر منها وتحولت الدعوى للنظر فيها من قبل صديقي محمد يوسف الخالدي .
يئست هذه الآنسة من الحياة وصممت على الانتحار بأي واسطة ، وكانت فضلت موتها عن حضورها وهي متلبسة بالجريمة أمام المحاكم لأنها كانت معروفة لدى الأهالي والمجتمع من أرقى الناس اسما وخلقا . وقد اضطرت وعائلتها أن تعترف لي بالحادث على علاته ، وكان لها الأمل الوطيد بخلاصها من هذه الورطة بواسطتي . تحمست جدا لمساعدتها وأخذت سيارة خاصة ، وزرت أخي وصديقي محمد يوسف في مخيمه الخاص بجانب دهيشة بيت لحم ، وحدثته مطولا بالأمر وطلبت مساعدته .
فكر القاضي طويلا ووعدني خيرا وعين النظر في هذه الدعوى بصورة استثنائية لم يسبق لها مثيل ، وذلك في الساعة الرابعة من بعد ظهر ذات يوم . أذكر أنني كنت والآنسة ثم الخصم الصائغ اليهودي فابس والبوليس أمام القاضي محمد يوسف الخالدي الذي كان وحده أيضا يكتب وقائع الدعوى بيده . . . وكانت أجراس كنيسة الروس بجانب المحكمة بالقدس تقرع قداس الإسبيرينو المعروف بتمام الساعة الرابعة ، ولم يكن في عمارة العدلية أحد سوانا حتى صاحب المقهى كان غائبا ، وهكذا اطمأنت الآنسة المومى إليها من رؤية أحد وفضيحة أمرها المخزي .
تلا البوليس نص الدعوى وأشار بيده إلى المدعي والمدعى عليه ، وبعدها أخذ القاضي محمد يوسف الحجر بيده وبحلق به ثم سأل المدعي فابس : أهذا هو حجرك ؟ . . نعم يا سيدي . إذا خذه وانصرف . . . فأخذ الحجر وبقي واقفا أملا أن يرى النتيجة والحكم على المدعى عليها ، ولكن صاح به القاضي قائلا قلت لك انصرف من هنا يا اللّه وهكذا انصرف . ثم
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 383
مساهمون: واصف جوهرية
ص٣٨٣