أشد حالات السكر وبيده المسدس المصوب على صدر الأستاذ محمد علي الأسطة . . . وكان عبد اللطيف يقول له " غني ولا . . غني ولا . . وليش جايبينك ؟ . . يا كذا وكذا " الفؤاد مخلوق والأستاذ كان يواصل غناءه خوفا على حياته ! !
ويا له من منظر مرعب ، أما الحضور فقد بهتوا وقهقهوا بأعلى أصواتهم وقرروا بالإجماع ، فأحضرنا العود إلى ذلك الموقع الوحش في الدهليز . . . وتجلى الحظ وبقينا على هذا الحال إلى مطلع الفجر . . . فتركنا بيت طوطح نلهج بما أصاب الأستاذ من داهية مع الشيطان عبد اللطيف الذي كان أودى بحياته . « 1 »
محمد يوسف الخالدي
كان المرحوم محمد يوسف الخالدي قاضيا نزيها عادلا زمن الانتداب البريطاني بالقدس . كان من أشهر قضاة محاكم الصلح يشار إليه بالبنان ، وعلى الأخص وهو من عائلة الخالدي العريقة حسبا ونسبا في بلادنا ينتسبون إلى البطل العربي خالد بن الوليد ، وإن أكبر برهان لما لهذه الأسرة الكريمة من ماض زاهر شريف مكتبة الخالدي بالقدس ، التي تضم طائفة كبيرة من أرقى الكتب والمخطوطات النادرة القيمة وإن هذه المكتبة لم تزل واقعة في حي السلسلة داخل السور على الطريق الرئيسية المؤدية إلى الحرم المقدسي الشريف . « 2 » وقد لعبت رجالات هذه الأسرة دورا مهما زمن الحكم العثماني ، وتقلبت في وظائف سامية ، وكانت تعتبر حكومة ضمن حكومة أمثال المرحوم بدر الخالدي ، ويوسف ضيا باشا الخالدي ، ومحمد علي الخالدي ، وغيرهم ، وقد كان المرحوم والدي يحكي لي الكثير عن حوادث هذه الرجالات الخالدية العظام ، وقد أطلعني - رحمه اللّه - على مقر هذه الأسرة بالقدس ، وهي في أوج علاها ، وهذا المقر أو الدار الكبيرة واقعة خلف بطريركية الأرمن الكاثوليك التي أنشأها يواكيم تومايان سنة 1886 ، وفيها كنيسة باسم أوجاع العذراء زمن المتصرف رؤوف باشا ، وتعرف بالمرحلة الرابعة ، وأما دار الخالدية هذه ، فهي تعتبر من أكبر دور مدينة القدس وفيها الغرف والقاعات والمحاكم حتى السجن ، عندما كانت رجالات العائلة الخالدية في ذلك الزمن تحكم الشعب ، وتسجن داخل الدار بدون الالتجاء إلى الدولة العثمانية التي كانت شبه صورية ليس إلا ، وتمتد مساحة هذه الدار إلى الزقاق الذي يفصلها عن حبس الدم ، ذلك الزقاق أو الشارع المؤدي إلى الحرم ، ويحدها من الشرق الزقاق الفاصل ما بين الأوزبكية للشيخ الأزبكي مقابل مدرسة راهبات صهيون والمؤدي أيضا إلى الحرم .
هذه لمحة وجيزة عن أسرة الخالدي بالقدس ، وكانت تعرف برأس قيس ، وأما الرأس الثاني وهو اليمن ، فكانت الأسرة الحسينية . وبقيت القيس واليمن ليومنا هذا بين أهل البلاد ، وكانت نعمة عظمى تجلت فيها العدالة ونبذت التفرقة ، فأصبح لا فرق ما بين مسيحي ومسلم ، بل إنك ترى مثلا ، بيت جالا باعتبار القيس وبيت لحم باعتبار اليمن ، وكانت باقي المدن والقرى في فلسطين مقسمة ما بين الطرفين ، فكان المسلم يساعد القرية المسيحية باعتبارها من حزبه القيس مثلا . . .
ضد القرية المسلمة [ اليمنية ] بكل إخلاص وأخوة . كان شعار القيس اللون الأحمر ، وكان شعار اليمن اللون الأبيض ، وقد حدثني المرحوم والدي أن فريقا دعا الفريق الآخر ، وبعد تناول الطعام قدم للمدعوين الحلوى وكانت تعرف ( بقيس ويمن ) ، وهي أشبه بالهيطلية ومن فوقها موردية كانت تصب في الصحن ذاته ، فعندما بدأ المدعوون بالأكل ، نظروا إلى
هامش
( 1 ) ملاحظة : كان عود مع الأستاذ محمد علي الأسطة صنع النحات في دمشق ابتاعه من المغنية المشهورة - آنذاك - اسمها سرينا ، وقد أحببت هذا العود فاشتريته من الأستاذ ، واحتفظت به مدة طويلة من السنين ، والجدير بالذكر أن هذا العود قدمته أخيرا وبعد نكبة فلسطين إلى ابنتي يسرى التي قدرته حق قدره ، وهو لم يزل محفوظا عندها في البيت ليومنا هذا . وإن هذا النوع من الأعواد القديمة تعيش السنوات الطوال ويحسن صوتها كلما زاد عمرها ؛ لأن الصنعة الأساسية خالية من كل تزييف ، وعلى الأخص صنع محمل نحات الشهيد في دمشق ، وقد أصبحت هذه الآلات - كما يقولون - مخبأة في علب العرايس . . . ولا تقارن بأعواد صنع الأرمن في يومنا هذا ، والتي يستطيع العامل أن يعمل خمس أو ست طاسات في اليوم الواحد ، لأنه يكوي فرع خشب الجوز المعمول منه طاسة العود على القالب بالنار ، وأما صنح النحات فكان لا يعمل العود إلا بمدة لا تقل عن الأربعة شهور ، بعدما ينشف الخشب العائد للطاسة ، وبخاصة الوجه ، وإني ألفت نظر القارئ إلى إن ما يسمونها القمرة التي كانت تصنع قديما من العاج والخشب ، تلك الصنعة الفريدة في فنها أصبحت اليوم - والعياذ بالله - مصنوعة من النايلون . . . ويا للأسف ! ( و . ج ) .
( 2 ) الإشارة هنا إلى المكتبة الخالدية ، وهي من أهم مكتبات المخطوطات في فلسطين ، وقد تمت فهرستها العام 2001 .