ألوف الجنيهات مثلا 6000 جنيه ، ولكن بيني وبينك ما بتكلفش أكثر من ألف وخمسماية جنيه . . عمتلك عينه ! ! وهكذا بعد مدة قليلة لا تزيد على السنتين ، يصبح هذا المهندس وأشكاله من الأثرياء ويشار إليهم بالبنان . . . وكذلك الحكيم والصيدلي و . . و . . . الخ . هؤلاء جماعة اللي عمتلك عينه .
هذه لمحة وجيزة عن نظريات الأستاذ السكاكيني المستقيم في حياته ، والواقف بالمرصاد إلى كل من يضل عن الطريق المستقيم . ثم أذكر من بعض نكاته النادرة اللاذعة ، عندما حضر صديقه وزميله في المدرسة الأستاذ بندلي الجوزي من روسيا ، فبواسطة السكاكيني كانت ليالي سمر تقام على شرفه ، شرف ضيفه العزيز في بيوت العائلات الصديقة بالقدس ، مثلا ليلة في بيت الأستاذ ، وأخرى في بيت صاحب هذا الكتاب ، وليلة في بيت آل عبده ، وجوزي ، ومشبك وغيرهم كانت - والحق يقال - ليالي نادرة يتجلى فيها الحظ إلى بعد منتصف الليل غناء وعزفا على العود والكمان ، ثم نكات وقهقهة وذكريات وأدب . . . فسقيا لتلك الأيام والليالي ما كان أجملها !
والجدير بالذكر أنه عندما كان الأستاذ بندلي الجوزي يلقي كلمة عن لهجات اللغة الروسية في روسيا ، تلك اللهجات المختلفة لتلك المقاطعات وكان يوجه كلامه إلى الأستاذ السكاكيني قال :
يا أستاذ مثلا في مقاطعة أوكرانيا يستعملون كلمة ( سك ) للكلب . . . وهنا قاطعه الأستاذ السكاكيني وقال له وهو على جانب عظيم من الحظ ( إذا سكسك كلب ابن كلب ؟ ! ! ) وكان يعني بجورج سكسك وتقربه من دير الروم وبعده عن أبناء الطائفة . . . وهات يا ضحك . وكان الأستاذ أبو سري يحتقر كل متكبر ومختال فخور ، ولهذا كان يجتمع مع زملائه من الأدباء وتلاميذه القدماء في مقهى يقع أمام باب الخليل من الخارج في الطابق العلوي ، وهناك يشرب الأركيلة ، وقد دعا هذا المقهى ب " قهوة الصعاليك . . . " . « 1 »
كان يميل إلي بصورة خاصة ويرتاح جدا لعزفي على العود ولصوتي ، وكان عندما يعرفني بأصدقائه ، وخصوصا من يزورون القدس من الأقطار العربية المجاورة يلقي محاضرة عني وعن إخواني وما عندنا من فن وخفة دم ونكتة ، ويقول هؤلاء الجوهرية قد ورثوا كل هذا عن المرحوم والدهم ، فالنكتة والمرح والفن في دمهم ، وكان قد دون في مذكراته عندما توفي المرحوم والدي هذه العبارة " بوفاة الجوهرية انقرضت دولة الظرف " ، وقد ألقى هذه الكلمة أيضا في تأبينه بعد وفاته مباشرة في صهيون .
وأن زوجة الأستاذ السكاكيني هي من أقاربي ، فكان المرحوم والدها نقولا عبده ابن خالة والدتي ، وكان المرحوم والدي عرابا لها ولأختها ميليا زوجة الدكتور دعدس ، وكذلك المرحومة كتينكو وأديب ، وعندما توفت سلطانه قال الأستاذ :
" عندما عشنا متنا " ، فلما ذا قال الأستاذ هذه الكلمة ، فأقول :
بعد الاحتلال البريطاني ، وخصوصا بعد نشر وعد بلفور المشؤوم وتفهم الشعب إلى نوايا صاحب الجلالة البريطانية اتجاه أهل البلاد العرب ، غضب الأستاذ ونقم على كل شيء إنكليزي . . . حتى أنه أخيرا ضحى بكسب قوته ، واستقال من وظيفة مفتش المعارف بالقدس ، وأصبح في حالة عسر وفي أمس الحاجة لدرهم واحد من المال . . . وكان يعتز بنفسه ، إذ لا يستوي الخبيث والطيب . . . وكان يكتم ما فيه من عوز ، فكنت ترى وهو على هذه الحالة المضنية لم ينقطع الأدباء
هامش
( 1 ) حول تاريخ مقهى الصعاليك ، راجع سليم تماري . " الجبل ضد البحر " . رام الله : مواطن ، المؤسسة الفلسطينية للدراسة الديمقراطية ، 2005 .