ويرجع ويرتكز من حيث بدأ وهو مقام الراست . أي بعبارة وجيزة ، كنت تسمع تلحين قصيدة طازجة ، ولو طلبت منه إعادتها فلا يمكنه إلا أن يغني لك الكلام ذاته على لحن جديد طازج . . . وهكذا .
هذه الطريقة النادرة التي خصص بها صديقنا محمد علي الأسطة وما أحلاها وأجملها وقد جن جنوننا نحن فئة من أبناء القدس من موسيقيين موهوبين ومحترفين وسميعة ، وقضينا مع هذا الموسيقار الليالي الطوال ، فكنا نسهر كل ليلة عند عائلة فليلة في بيت المرحوم عبد الحميد قطينة ، وأخرى في بيت والدي الجوهرية ، وليلة ببيت النشاشيبي حي الشيخ جراح ، وليلة في باب الساهرة ، وليلة في باب حطة ، وليلة في باب العامود ، وهات ليالي نادرة كانت تضم الأخوان حمادة العفيفي ، ومحمد السباسي ، وعبد الحميد قطينة ، وحسين النشاشيبي ، وطاهر يونس الحسيني ، وحسن الأزهري ، وعلي عباس الجاعوني ، وفهمي نسيبة ، ومصطفى الجبشة ومصطفى الموقت السرية . . وداود فتياني وتحسين الخالدي وإبراهيم سعيد الحسيني وعبد القادر العلمي ، وجورج الحلبي ، ويوسف صليبا ، وسعيد زايد ، والحاج جودت الحلبي ، وأحمد طوطح ، ومحمد يوسف الخالدي ، وعبد السلام النشاشيبي وغيرهم .
ليالي طرب لم نزل نذكرها ليومنا هذا كان هذا الموسيقار وكأنه أصبح من أهالي القدس ، فقد أحب القدس وأهلها وقضى مدة تقرب من الأربعة شهور عندنا ، وقد أبدع في طقطوقة مطلعها :
يا ناعم يا مورد الخدين أنا قلبي هايم يا تفاح يا سكر ناعم
كان يغنيها من مقام البيات ، وأصبحت الأغنية المحببة لدى أبناء القدس فأخذتها عنه ، وكنت أغنيها بعده في سهراتنا ، وكان الإقبال على هذه الطقطوقة عظيما ، فكنت في كل مناسبة إذا كنت في شطحة أو سهرة لا بد لنا أن تغني هذه الطقطوقة مثنى وثلاث ورباع . . . والحضور سكارى لما كانت طروبة . وإني أذكر هذا الحادث الذي حصل في إحدى سهراتنا مع الموسيقار محمد علي الأسطة :
كانت السهرة على ما أذكر في حارة باب حطة داخل السور بالقدس ، وكانت مجموعة عظيمة من أهالي القدس وقد تجلى كرم صاحب الدعوة في هذه الليلة ، وهو الأخ أحمد طوطح أبو الحسن من مأكل ومشرب ومشروب . . . وقد ابتدأ المدعوون يردون الحفلة ، وأخذنا بالكاس والطاس ، ولكن كان الأستاذ محمد علي الأسطة في مزاج غير مرح وقلق الأفكار ، كان يشرب الأركيلة ورفض رفضا باتا بأن يغني ولو شطرة واحدة رغما عن رجاء جميع الحضور ، وأخصهم فخري النشاشيبي . . . ولكن أين من الأستاذ أن يغني إلى أن رضينا وبلشنا « 1 » بالغناء والعزف على آلات كثيرة وحدنا عسى أن يغار ويفتح فمه . . . ولكن بدون جدوى ، وبقينا على هذا الحال إلى بعد منتصف الليل والأستاذ محمد علي عابسا وكأنه في غيبوبة .
أخذ الطرب من كل واحد منا ، وأصبح البيت وكأنه يرقص فرحا وسرورا ، والآن قد سمعنا صوت هذا الأستاذ يغني عن بعد . . . وبالفعل لم نجد الأستاذ بيننا فنزلنا إلى دهليز أي مدخل الدار العتم المظلم بجانب بيت الخلاء نتابع الصوت ، وإذ وجدنا أن الأستاذ محمد علي الأسطة يفي بكل ما أوتي من صوت عال ومن فوقه كان عبد اللطيف النشاشيبي وهو في
هامش
( 1 ) بلشنا : بدأنا .