تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ورؤساء وزعماء البلاد عن زيارته في بيته المتواضع إجلالا وإكبارا في خلقه العظيم . كنا نقضي الليالي في بيته الواقع في مأمن اللّه ملك فليفل من بيت لحم بالقرب من مركز المنتدى الأدبي - آنذاك - إلى بعد منتصف الليل ، وكان له جار يهودي يحترمه ، ألا وهو المحامي إلياس فراجي . في هذا البيت ، كانت فئة من أصدقاء السكاكيني أمثال موسى العلمي ، وجورج خميس ، وحنا حمامه ، وعادل جبر ، وتوفيق الحلاق البيطري ، وعمر البرغوثي وغيرهم ، ثم انتقل الأستاذ إلى أين ؟ إلى طاحونة الهواء بجوار بيت المشبك وعبده محلة راتزبون ، وسكن في هذه الطاحونة مع سلطانه وأولاده ، فقضينا في هذه الطاحونة ليالي وأوقاتا نذكرها بفخر وعسره ليومنا هذا ، فترى الأستاذ إسعاف النشاشيبي ، وعلي جار اللّه ، ثم أمين الحسيني ، وكامل الحسيني المفتي - آنذاك - وغيرهم من أدباء ومعلمي والجيران عائلات عبده ومشبك وسلامة وحنانيا يستمعون إلى ما أعزف وأغني إلى مطلع الفجر . . . ومرارا كنت أنا وأخي توفيق نجيء بمقاعد من الجيران لعدم وجود ما يكفي لجلوسهم ، واللّه يشهد ، وكان الأستاذ يضحك ويشاركنا بالغناء والطرب والشرب والحظ . وإني أذكر أنه قد أرسل لي وإخواني ، فحضرنا ومعي العود ، وكانت ليلة ساهرة تجلى الحظ معنا ، وكانت ليلة من العمر لكل من حضرها ، وبقي الأستاذ الأكبر حتى قبل تعليم كتابه الأول راس روس « 1 » في مدارس المعارف ، وتنفس أستاذنا الصعداء . فاشترى أرضا وأقام بناء على ذوق المرحومة سلطانة وسكنه واستقر ، وأصبح هذا البيت في حي القطمون محجة للأدباء والفنانين ، إلا أن اللّه توفى شريكة الحياة سلطانه فكتب الأستاذ الكلمة المأثورة أي " عندما عشنا متنا " . . ونقم على السماء والأرض والحياة وقال : " تعالوا ننقرض . . ! ! " كل ما دونته عن الأستاذ السكاكيني كان أثناء حياتي العزوبية ، وسأدون الكثير عن صلتي الوثيقة وذكرياتي الكثيرة بعد الزواج في حينه في كتابي هذا بإذن اللّه .

الموسيقار الموهوب محمد علي الأسطة

زار القدس الموسيقار محمد علي الأسطة من دمشق ، وكان هاويا وليس محترفا . نزل في فندق السانت جون العائد لعمى صليبا سعد - آنذاك - وتعرفت به وأعجبت به أيما إعجاب ، كان رجلا ربما في العقد الرابع من العمر ذا عينين كبيرتين عسليتين ، أنيقا في لباسه ومتزنا في حديثه وكلامه بهي الطلعة ، مربوع القامة ، كريم النفس ، طيب القلب ، ذكيا لامعا . كان يعزف العود ببساطهة ، وكنت أنا دائما أعزف العود وأترجم غناءه . أما صوته ، فكان حنونا جدا وقراره مشبع ، ولا يعرف أن يغني إلا جيدا ( كما كان يقول لنا الأخ علي عباس الجاعوني . . . ) أي لا نشاز في إلقائه الأنغام ، وكان يحكم بسهولة على صوته ، والجدير بالذكر أن غناءه كان فريدا من نوعه ، ولم نعرف هذا اللون في الغناء من قبله ولا بعده ، لأنك تعجب عندما تستمع إليه ، وإليك ما يلي : كان حافظا لعدد كبير من القصائد الغزلية والحكم وغيره في رأسه عن ظهر قلب ، وكان عندما يطرب مثلا لمقام الراست ، يبدأ قصيدة ارتجالية ويلقيها غناء ويتلاعب في تلحينها ويدور ويلف بها وكأنها مسكوبة سكبا ، وكلنا نطير طربا عند استماعنا لكل كلمة وكل لحن ينتقل إليه في هذه القصيدة ويعيده مرارا على جملة مقامات حتى تنهي أبيات تلك القصيدة ،
هامش
( 1 ) راس روس : المقصود سلسلة الجديد في القراءة العربية ، وقد طور فيها السكاكيني أسلوب تعليم العربية للصغار بطريقة ثورية .