تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
قضى الأستاذ زكي مراد حوالي مدة العشرة أيام ولم يستطع البقاء بالقدس ، ولم نجتمع وإياه مع أصدقائي من أهالي القدس العرب ، بل رجع مصر ، وإني أحتفظ بعد ببعض الكتب والمراسلات التي كان يرسلها ونتبادلها لمدة طويلة .

أستاذي الأكبر خليل السكاكيني

كان لي الحظ الوافر والشرف العظيم بأن أتلقى علومي الابتدائية من الأستاذ العظيم والمربي الكبير خليل السكاكيني ، وقد دونت هذه الذكريات الجميلة عندما كنت تلميذا في مدرسته المعروفة بالمدرسة الدستورية الوطنية في المجلد الأول من مذكراتي . وقد بقيت - والحمد للّه - صداقتي متينة مع أستاذي الأكبر عندما كبرت وترعرعت وظهر في فن الموسيقى العربية ، فكنت - والحالة هذه - لم أنقطع عن زيارة بيت الأستاذ ، وأترأس حفلات السمر التي كانت تقام في بيت الأستاذ المعروف - آنذاك - ببيت الأمة ، والتي كانت تضم أعلام العلم والأدب من مختلف الأقطار العربية . كان لأستاذي السكاكيني الفضل الأكبر في تصحيح ما كنت أغنيه من حيث اللغة العربية ، وخصوصا عند إلقاء القصائد ، وكان يميل جدا إلى الاستماع إلى ما أحفظه من الموشحات الأندلسية ، ويوجهني إلى غناء الأفضل منها حسب ذوقه النادر السليم في هذا الفن الجميل . وكان الأستاذ يتذوق الموسيقى ويعزف آلة الكمان ، وما أجمل وألطف ذلك المشهد عندما تنظر إليه وهو واقف وبيديه الكمان يعزف بطرب وروح فياضة المعزوفات الخفيفة ، وخصوصا قطعة عربية من لبنان كانت المحببة إليه مطلعها :
أبو العباي البيضة فيها شراشيبي * لابسها للفية والا لتعذيبي
على طريقة اللهجة اللبنانية من مقام راست نوى والإيقاع فالص . « 1 » وكنت في هذه الأغنية أرافقه على العزف والغناء على العود ، ويتخايل للحضور أن البيت كله أصبح يرقص طربا . . آية واللّه . من عرف الأستاذ أبو سري يقتنع ويقول حقيقة القلم يعجز عن وصف السكاكيني . . . فكان أبيّ النفس ، شهما ، شجاعا ، وطنيا ، غيورا على أهله وعروبته ، لا يخاف من حكومة الانتداب لأنه كان مخلصا وعادلا ويحب أن يكون الإنسان إنسانا في كل ما في هذه الكلمة من معنى ، وقد طبع كارت فيزيت بهذا المعنى " خليل السكاكيني إن شاء اللّه إنسان " ! ! وهو بعمله هذا كان يستهزئ بالأشخاص المتلاعبين في حياتهم الاجتماعية ، وكانوا كثيرين في نظره ، فمثلا : ركبت بمعيته مرة في باص القطمون - القدس ، وعرجنا عن عمارة في طريقنا كانت تخص المرحوم إبراهيم حقي الشركس ، وكانت تعتبر هذه العمارة من أعظم العمارات في تلك المنطقة ، وسكن فيها سكرتير حكومة الانتداب فيما بعد ، فبادرت أستاذي وقلت له شوف هذه عمارة . . . ولما كان حاضر النكتة فالتفت إلي في الحال وقال " هذه يا واصف من جماعة اللي عمتلك عينه " ! ! أما أنا فلم أفهم ما ذا كان يقصد في هذه الكلمة ، فاستدرجته إلى أن أجاب : اسمع عندما يتخرج مهندس ما ويبدأ عمله في الحياة يتفق مع ثري لهندسة عمارة له على مبلغ . . . وعندما يباشر العمل يجيء مثلا لأعز شخص عنده قول " زوجته " ، ويقول لها شوفي قاولته على هندسة وعمارة هذه العمارة بكذا وكذا من
هامش
( 1 ) فالص : المقصود إيقاع رقصة الفالس .