وخليل أفندي عريقات ، مدير بوليس أريحا ، وثريا أفندي الجاعوني البوليس ، وكامل أفندي الإيراني ، وصدقي الحواش ، وموسى الراغب ، وإلياس الخروف ، والقزاز ، وخميس الطبة ، وغيرهم ، نتناول كؤوس البيرة المثلجة إلى ما بعد منتصف الليل . كنت أغني أغنية جديده - آنذاك - مطلعها " ياللي أنت ندك من ندى تعالي نلعب خذي ودي " من مقام حجاز كار كردي مطربة للغاية ، وقد انتشرت هذه الأغنية مني عند الهاوين والمحترفين في ذلك الزمن بالقدس ، وكنت قد تعلمتها من أخي وصديقي المطرب الموهوب محمد علي الأسطة من دمشق ، الذي سأكتب عنه في صفحات الكتاب التالية .
أما القائم مقام فقد كان يعطف علي ، وفي كثير من الأيام كان يصرف بدو الديوك والنويعمة « 1 » ويؤجل طلباتهم بخصوص الويركو والأعشار « 2 » والمعاملات إلى أيام أخرى عندما يرى أن الطقس حار . . . لشدة خوفه علي ، وكنت أحضر في كثير من الأوقات بثوب النوم الأبيض إلى دائرة الحاكم من شدة الحر ، ولا يبدي لي أي مانع .
أما صديقي كامل الإيراني ، فكان بالفعل ثورة متنقلة فإذا ما سكر . . . تصور له عداءه لبريطانيا ، فيبدأ بما تيسر له من الشتائم من الوزن الثقيل إلى الملك جورج ومن تحته . . . في الوظيفة وكانت أمنيته عندما يكون في حالة السكر أن يتجول بين بيوت أهالي أريحا ، وهناك يضرب بالسوط كل من يعاند أفكاره ولو كانت امرأة . . . يضربها علنا وعلى رؤوس الأشهاد ، وخصوصا في بيت الخندق . . . كنت أتألم لهذا المشهد ولكن من يجري على إيقافه .
وهكذا قضيت مدة ثلاثة شهور في أريحا رغما عن شدة حرها في فصل الصيف ، قضيتها في فرح وسرور لم أزل أذكرها ليومنا هذا ، رجعت إلى القدس إلى الوظيفة ذاتها في دائرة حاكم القدس كالمعتاد .
عازف القانون محمد السوسي
تعرفت بهذا المطرب والموسيقار محمد السوسي عندما زار القدس وسكن لحسن حظي في حي السعدية بجوار فرن عبد ربه المشهور قريبا من بيت والدي في الحي ذاته . عرفته وكان عمره ربما يزيد على الثمانين ، وكان طويل القامة نحيف البنية بلباس عربي متواضع ، ومحافظا على عدد قليل من أسنانه في فمه للذكرى .
كان كريم النفس ، وكريما في العزف على القانون ، حاضر النكتة ، يحبه كل من وقع نظره لأول مرة عليه في الحفلات . . .
وكان رغما عن كبر سنه يغني بصوت حنون بدون كلفه ، وحافظا طائفة كبيرة من الموشحات الأندلسية والأغاني المصرية القديمة المطربة .
وقد كنت أعجب منه لهذه الميزة لأنني لم أر أن عازف القانون يغني بصوته عند العزف ، بل الحقيقة كان المغني يعزف العود وليس القانون . والجدير بالذكر أن صديقنا السوسي كان أطرش ، وعندما كنت أطلب منه عزف أو غناء ، كنت أصيح بأعلى صوتي بأذنه وأقول أبو حسين ! ! كذا وكذا فيهز رأسه ويبدأ العمل . . . ولم تنقطع الابتسامة عن وجهه - رحمه اللّه - والجدير بالذكر أنه في حالة نزول وتر ما من قانونه يحس ويشعر بذلك بدون أن يسمع طبعا فتراه يرفع ويصلح ذلك الوتر وكأنه يسمع تماما ويا للعجب ! ويظهر في عمله هذا أنه لكثرة عزفه طيلة الثمانين سنه جعلته ينسجم مع القانون بجسمه .
هامش
( 1 ) تجمعات بدوية شمال أريحا وجنوب الجفتلك في غور الأردن .
( 2 ) الويركو والأعشار : ضريبتان حكوميتان .