تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠

مدير المعارف المستر بومان

كان المستر بومان مدير معارف القدس بألبسته الجندية يسكن في البيت المعروف بدار المهندس فرنكاه الألماني الواقع في محلة الثوري بالقدس . كان يدعوني في هذا البيت لأعزف على عودي وأغني للمدعوين في كثير من الأيام والليالي ، وتكون نخبة من مفتشي ومعلمي وتلامذة المعارف بعد الاحتلال البريطاني ، وكان يجيد اللغة العربية ، ومطلعا على عادات العرب وتقاليدهم ، ويميل كثيرا إلى الطابع الشرقي لأنه قضى زمنا طويلا في الشرق ما بين مصر والسودان . وكان يترأس فرق الكشافة بأسرها . إني لم أزل أذكر هذه الحفلات بكل سرور ، فكانت تضم الأساتذة أمثال حبيب خوري ، وأحمد سامح الخالدي ، وجبرائيل كتول ، وشريف النشاشيبي ، وطلعت السيفي ، وقسطندي الخوري ، وغيرهم . وكان طلعت السيفي يمثل لنا في هذه الاحتفالات بالشراكة مع أخي فخري تمثيليات واقعية مضحكة للغاية ، وكانوا يطربون لاستماعهم الغناء ، وخصوصا الموشحات الأندلسية التي كانت تجد إقبالا ليس من العرب فحسب ، بل من الإنكليز والأجانب أمثال المستر ستيورت ، والمستر ألمر هرس ، وبنتويتش ، وغيرهم . وهكذا كنت أجتمع في كثير من الأحيان مع أخي وصديقي المرحوم قسطندي الخوري ، والمرحوم يحيى اللبابيدي بصفته كان في دائرة المعارف ، نغني الأغاني المؤلفة والملحنة على نصف الدرجة الصوتية ، التي يمكن عزفها على آلة البيانو ، وخصوصا في المدرسة الرشيدية ، ولن أنسى ما كنا نميل إليه جميعا من القطعة المحببة إلينا تلحين المرحوم قسطندي الخوري المشهورة " وعلى خضر مرابعنا حمر مواضينا . . . بيض صنائعنا سود وقائعنا " ، الأخص التي تمثل العروبة . كنت أعزف هذه الأغنية وغيرها على البيانو . . . فسقيا لتلك الأيام ما كان أجملها !

" وين بقيت غاطس ؟ "

أذكر هذا الحادث الطريف لأبين للقارئ ما قاسيناه من شقاء وخطر عندما نشر وعد بلفور المشؤوم على الأهلين ، وأصبحت البلاد بأسرها في حالة اضطراب ومظاهرات وثورات بالقطاعي . . . بين الشعب العربي واليهود وحكومة الإنكليز . بصفتي موظفا في دائرة حاكم القدس العسكري بعد الاحتلال البريطاني ، كنت أحصل على وثيقة مؤقتة تمكنني من التجول في ليالي منع التجول ، والوصول إلى مقر عملي ليلا . وقد صادف أنه أعلن منع التجول بعد ظهر ذات يوم من سنة 1920 عندما كان الموظفون خارج السراي بالقدس ، وذلك عندما كنت في حفلة صغيرة ، كانت آنسة واسمها نينا ابنة ارستيدي صاحب مقهى المنشية ، هذه الآنسة كبرت وترعرعت في أحضان برسفون خليلة المغفور له حسين أفندي الحسيني ، التي كنت ذكرت عنها في المجلد الأول من هذا الكتاب ، واكتسبت ضروب الفن منها . وقد اتخذت فؤاد بك بن موسى كاظم باشا الحسيني خليلا لها بعد الاحتلال البريطاني ، وبعد وفاته أصبحت [ وصيفة ] المطران المعروف أبيفانيوس . كانت هذه الحفلة في غرفة من زوايا خان الأقباط حارة النصارى بالقدس ، وقد صادف وجود خوري أرمني يعزف الدربكة . . .