باتفاق فائق وبدون آلة طرب طائفة كبيرة من مختلف المشارب والسماعيات بصورة تدهش كل من سمع إليه ، وكنت وإياه أعزف على عودي من هذه الألحان ، وأغني الأغاني التي تناسب المقام . . . فأخذ الطرب منا كل مأخذ ، وانفضت الجلسة عند الساعة الثانية والنصف صباحا .
خرجت من خان الأقباط وأنا على جانب عظيم من الحظ . . . وهنا - كما يقول المثل - " راحت السكرة وإجت الفكرة . . . " ، وقلت اللّه يستر كيف الوصول إلى محلة السعدية وأنا لم أحمل إذنا خاصا . . . سرت في حي النصارى إلى أن وصلت عمارة الجبشة ، وعندما وصلت الدرجات مقابل فرن طقش المعروف ، إذ سمعت وقع أقدام وبساطير الجيش ( الدورية . . ) من بعيد ، وهناك دب الرعب في قلبي . . . وقلت يا ليلة سوداء . . . وأخيرا نظرت فوجدت قطعة ماكنة طحين قديمة كبيرة ربما كانت مصفاة أو غربالا مطروحة في الزاوية الملاصقة للمطحنة المهجورة بجانب فرن طقش تماما ، وكانت هذه المطحنة على ما أذكر لصاحبها من عائلة زخريا بالقدس . كانت هذه المصفاة ولم تزل في المحل ذاته ، وكل من أهالي مدينة القدس يعرفها ، لأنها كانت تستعمل لقضاء حاجة الإنسان . . . مشخة ليلا ونهارا .
وهكذا تجرأت ودخلت هذه المصفاة خوفا من دورية الجيش وبقيت فيها مدة طويلة إلى أن مرت عني الدورية المؤلفة من الجيش الهندي في تلك الظلمة ، وأنا أتضرع للإله بأن ينقذني من هذا المأزق الخطر . . . ولولا شدة سكري لما تجرأت على هذه العملية . عندما استتب الأمن ، وفي هذا السكون خرجت من الزنزانة القذرة وسرت عن ساحة باب العامود إلى أن دخلت حارة السعدية فأطمئن قلبي . فتحت باب الدار وأنرت اللامبة ونظرت . . . وإذ أنا في حالة لا توصف من الأوساخ والقذارة من رأسي إلى قدمي وقلت في نفسي " الآن ينطبق عليّ أغنية ( يا جرذون طالع من خرارة . . ) " .
أذكر وأنا على هذا الحال إذ أفاقت والدتي المرحومة وخرجت من غرفة النوم إلى الإيوان ولما نظرت لحالتي قالت :
" يوم الشؤم عليك . . ولك وين بقيت غاطس ؟ "
فضحكت عاليا ، وقلت قولي الحمد للّه اللي شفتيني وسخ . . وليس ميتا . . . واللّه ستر خلعت عن جسمي الثياب بأكملها ، وعند الصباح استحممت جيدا . . . وهكذا كنت في كثير من الأوقات أضحي بنفسي كرامة للفن والطرب ولم أحسب للدنيا حسابا ، وأقول حقيقة حظ . . . ولكن بالعافية .
موظفا في أريحا
نقلت من دائرة حاكم القدس إلى دائرة حاكم أريحا لمدة شهرين لأنوب عن زميلي الأخ حبيب متري من أهالي رام اللّه ، ولسوء الحظ كانت الوظيفة هذه في شهري تموز وآب والعياذ باللّه . كانت دائرة الحاكم - آنذاك - سنة 1921 في البناء القديم الواقع عند المدخل الرئيسي لبستان الميري زمن تركيا من الجهة الشرقية لأريحا ، وكان القائم مقام السيد عبد الرؤوف جودة من أهالي القدس المعروفين وتعرفت به لأول مرة فأحبني وأحببته وقضينا وقتا طيبا . وكانت غرفة سكناي في الغرفة العليا في فندق الجوردان في وسط أريحا تطل على الفرندة المفتوحة أشبه بالمنارة ، وعلى هذه الفرندة كنا نقضي السهر وعزف العود والغناء يستمع إلينا جميع أهالي أريحا ، وكأننا على المأذنة . وكان الحضور المرحوم عبد الرؤوف جودة القائم مقام ،