على نخالة لعلب الأرانب الكثيرة التي كانت عنده ، وكان من العسير الحصول عليها زمن الحرب العالمية الثانية إلا بواسطة الرخصة الرسمية . كنت وقتها في حالة نفسية مرحة ورغبت أن أنكت بطريقة دبلوماسية على إسعاف ، وكانت الغرفة تضم عددا كبيرا من موظفي الحكومة الزملاء أمثال يحيى حمودة ، وسليمان فراج ، ويعقوب برامكي ، ومحصلي الأموال شكري رصاص ، ومحمود العسلي ، ويوسف عاطف ودرويش ، ومصطفى النشاشيبي وغيرهم ، وكانوا جميعهم يستمعون إلى ما أقوله خلسة بدون النظر إلينا ، وكلهم يعرف واصف ونكاته .
واصف يا أستاذي المسألة بسيطة ، هلأ بروح مع سيارتك إلى ( فالوديا ) فراج و . .
إسعاف نعم ؟ من هو هذا ؟
واصف فالوديا ابن صديقك يعقوب فراج . .
إسعاف استغفر اللّه ما هذا الاسم ؟ هل هو حقيقة ابن أخينا يعقوب أفندي ؟ . . وما هذا الاسم الغريب فالوديا فالوديا هذا ليس بعربي .
واصف قاطعته وقلت المسألة ليست بيد فالوديا ، ولكني أرغب مبدئيا في تكليف فالوديا لأجل أن يتلفن لأخيه إيجور . . الموظف في الدائرة المختصة لإعطاء رخص النخالة وغيره . .
إسعاف منرفزا وقد بحلق بنظر عينه الوحيدة إليّ مندهشا وقال : ما هذا ؟ أأنت متأكد من هذه الأسماء ؟ شيء غريب . . . لا لا ، لا بد أن أبحث مع أخينا يعقوب أفندي في هذا الموضوع الحساس . إن هذه الأسماء تكون - بلا شك - حجر عثرة في سبيل مستقبل صاحبها . . . إيه واللّه .
كنت أرمي بنظري خلسة إلى زملائي ، وهم في حالة مثيرة من الضحك . . . كل منهم كان يمتثل بشيء مع زميل آخر ليضحك خوفا من ملاحظة الأستاذ إسعاف ، أما أنا فقد كنت أكتم ما بي من أنفاس وقد صممت بأن لا أذكر اسم أخيها الثالث رورك خوفا على حياة أستاذنا الأكبر إسعاف في الغرفة . . . وهكذا خرجت معه من الغرفة وأنا لم أع شيئا . . .
والنظرات كانت ما بيني وبين الزملاء ، وكل منا يعرف الآخر . . . إلى أن قضيت له حاجته .
وعلى ذكر الحادثة الطريفة المدونة أعلاه ، أذكر للقارئ هذه القصة [ التي ] تشبه أستاذنا العربي وحبه للغة العربية :
مر أستاذ مجنون مفتون في اللغة العربية عن صالون للتزيين ، وكان صاحبه يهوديا ، وقد كتب يافطة على دكانه " خلاق " بدلا من حلاق ، وكان مع الأستاذ رفيق فقال له في الحال : هل رأيت هذا الجاهل كيف وضع النقطة على حرف الحاء فأصبحت خلاق ! ! يا اللّه . . . كيف العمل ، لا أستطيع النوم في هذا المساء . . . باللّه عليك دعني أقف على كتفك كي أتمكن من قلع النقطة . . . في هذه العصا ، وكان ذلك .
إسعاف النشاشيبي
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 368
مساهمون: واصف جوهرية
ص٣٦٨