إسعاف ، وطلبوا من إسعاف ( أو إثعاف . . ) التكلم . إذ وقف إسعاف وقال بحده وبصوت عال : " واللّه هذه المسألة لا يستطيع حلها عزرائيل وليس جبرائيل ! ! " ، وترك الاجتماع وخرج والجميع يقهقه من الضحك .
وبعد مدة وجيزة إذ توفي عثمان ولشدة حقد إسعاف على والده وهو لم يزل جثة هامدة في البيت دخل إسعاف ووقف فوق رأسه ، وقال " واللّه لن أصدق أن عثمان يمت . . . " وخرج . ولكن إسعاف هذا قد أقنع المحاكم والقضاة أنه ليس بكافر كما يدعي والده المتوفى ، أقنعهم بما أبرز إليهم من مؤلفات ضخمة علمية أدبية دينية نادرة وكلها فلسفة ، وخصوصا في دين الإسلام ، ما جعل القضاء يلغي وصية المورث ، وسمحوا له شرعا بالإرث وهكذا ارتفعت معنوية الأستاذ إسعاف ، وأصبح من الأغنياء المعروفين ، وإليك قصره الفخم في محلة الشيخ جراح الذي قضيت فيه الليالي مع فيئة من أدباء ووجهاء ليس مدينة القدس فحسب ، بل أدباء ووجهاء البلاد العربية . « 1 »
وهكذا تعين الأستاذ إسعاف النشاشيبي مفتشا لمعارف القدس بدلا من المرحوم إسماعيل بك الحسيني ، وأصبح مركزه في الغرفة ذاتها التي كنت موظفا بسيطا فيها ، ألا وهي قاعة التحريرات ( سراي حاكم القدس باب العامود ) ، ولم يكن يفصل ما بيننا وبين مكتب المفتش الأستاذ إسعاف النشاشيبي سوى ستائر من القماش ( برافان ) ، وكان الأستاذ إسعاف يثق بي وبإخلاصي ، فقد كلفني بأن أقوم بترجمة كل رسالة ترد إليه من الحكومة من الإنكليزية إلى العربية ، فكنت آخذ منه هذه الرسالة وأترجمها في البيت إلى أن تمكنت منا الصداقة بصورة فائقة ، وقد ساعد - ولا شك - أخي فخري كتلميذ أول في مدرسة الرشيدية مع الأستاذ الأخ شريف حكمت النشاشيبي . كنت أزوره بدون كلفه في قصره ، واكتسب منه معلومات كثيرة ، وخصوصا في اللغة عند الغناء . . . وكان يحدثني الكثير عن مجمل حياته وطريقة كسبه العلوم ، وهي كثرة مطالعته وحده ، فكان يقضي الليالي وهو يتنقل في الاطلاع من كتاب إلى آخر إلى مطلع الفجر ، وأما دراسته الابتدائية فكانت في المدرسة اليسوعية في بيروت ، وقد أصبح الأستاذ إسعاف بلا شك من أدباء العرب الأولين ، وكان من المحافظين على أساس اللغة القديمة ذات الكلمات الصعبة ، وذلك خوفا على هذه اللغة من الدمار . كان يزورني ويبتهج عندما يرى المجموعة الجوهرية ، ويقيدني في كتب الحظ الشيء الكثير . وقد كانت هدية عرسي منه من أثمن الهدايا ، ألا وهي قطعة نادرة الوجود لتقديم الحلوى فضية تشبه زلفة الشل .
كان يزورني كثيرا في دائرتي التي نقلت إلى عمارة مستشفى دير الروم داخل السور ، ثم دائرة الحاكم الواقعة في شارع يافا ، وقد عرفني على الموسيقار عبد الوهاب ، وأثنى عليّ وعلى فني ، وقد اجتمعنا في قصره أكثر من مره . وقد عزل هذا الأديب - ويا للأسف - من وظيفته كمفتش معارف بصورة مخزية . . . ونشر هذا الطرد علنا في جريدة الحكومة الرسمية ، وكانت فضيحة له في آخرة حياته .
وإني أذكر هذا الحادث لأعطي فكرة صغيرة عن مدى حب وتعلق الأستاذ إسعاف للغة العربية ، وكرهه إلى كل ما هو غربي حتى في الأسماء . دخل الأستاذ إسعاف على غرفتي مرة وجلس بجانبي وطلب فنجانا من القهوة السادة . . . وكان يرفض كل من قدم له قهوة من أي موظف سوى السيد جوهرية . جلس واستشارني كيف الطريقة التي يستطيع بها الحصول
هامش
( 1 ) تحول هذا القصر العام 1998 إلى مركز ثقافي باسم الأديب إسعاف النشاشيبي ، وهو يحتوي حاليا على مجموعة كتبه ومخطوطاته ، وقد أصدر منشورات عدة ، من ضمنها دراسة عن أعمال إسعاف النشاشيبي .